التميز خلال 24 ساعة
 العضو الأكثر نشاطاً هذا اليوم   الموضوع النشط هذا اليوم   المشرف المميزلهذا اليوم 

تعزيه لاخونا الغالي سعود وللمصعبين عامه
بقلم : كثير الاسفار


الإهداءات

 
 
عـودة للخلف   منتدى حريب بيحان > الأقسام الأدبية > التراث والاجداد
 
 


« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: بمناسبة قرب عيد الإتحاد الاماراتي ال 43 (آخر رد :كلي شموخ)       :: تعزيه لاخونا الغالي سعود وللمصعبين عامه (آخر رد :كلي شموخ)       :: ديوان الشاعر القدير توفيق عبدالله أبو زيده (آخر رد :روح السراب)       :: لفظ (الرحمة) (آخر رد :روح السراب)       :: صلاة الفجر (آخر رد :روح السراب)       :: الى والدي القديرمسعدحشوان بمناسبه ال30 من نوفمبر (آخر رد :مسعدحشوان)       :: النسر العقيلي حسين بن شقران (بقلم قحطان ) واخراجي حصري لمنتدانا (آخر رد :روح السراب)       :: لعبه دخول سجن (آخر رد :اليمامه)       :: اعترافات الاعضاء (آخر رد :اليمامه)       :: لعبة وش يقرب لك هاﻻسم ؟؟؟؟؟ (آخر رد :اليمامه)      



تنـويـه

بسم الله الرحمن الرحيم

نحب أن نحيط علمكم أن منتديات " حريب بيحان " منتديات مستقلة غير تابعة لأي تنظيم أو حزب أو مؤسسة من حيث الانتماء التنظيمي بل إن الإنتماء والولاء التام والمطلق هو لوطننا اليمن كما نحيطكم علما أن المواضيع المنشورة من طرف الأعضاء لا تعبر بالضرورة عن توجه الموقع إذ أن المواضيع لا تخضع للرقابة قبل النشر


تغربية بني هلال كاملة


تغربية بني هلال كاملة

, اقتربوا من وادي سلامة سمعوا صياحا وضجيجا مثل يوم القيامة فتقدموا على الاثر ليكشفوا حقيقة الخبر ولما ساروا في ذلك المكان وجدوا جمهورا من الرجال والشبان والنساء والصبيان

الرد على الموضوع
 
LinkBack خيارات الموضوع طريقة العرض
قديم 03-17-2013, 05:51 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي تغربية بني هلال كاملة

,
تغربية هلال كاملة 185323.jpg

اقتربوا من وادي سلامة سمعوا صياحا وضجيجا مثل يوم القيامة فتقدموا على الاثر ليكشفوا حقيقة الخبر ولما ساروا في ذلك المكان وجدوا جمهورا من الرجال والشبان والنساء والصبيان يصيحون من قلب وجوع من شدة الجوع فتقدم الامير حسن اليهم وقد اشفق عليهم فطيب خاطرهم بالكلام وفرق عليهم جوائز الانعام ثم سارو الى المضاب والخيام واستدعي اليه سادات القبيلة و اكابر الجماعة وجعلوا يتفاوضون في امر المجاعة، فاتفق رايهم بوجه الاجمال على ان يرحلوا من تلك الاطلال بالاهل و العيال،وان يذهب ابو زيد الى بلاد الغرب وتلك الديار فيجس الاحوال، ويأتيهم بحقيقة الاخبار، ثم يرحلون بأولادهم واثقالهم الى تلك الاقطارفقال ابو زيد للأمير حسن، لا يخفاك أطال الله عمرك وأبقاك، أن المسافة، بعيدة طويلة فيلزم أاان يكون معي جماعة من ساادات القبيلة، فقال دياب هذا الامر من اسهل الامور فخذ معك من تريد من الجمهور فقال ابو زيد متى طلع النهار يوفق الله من يشاء ويختار ثم عاد الى الخيام في قلق و اهتمام فقامت له زوجته على الاقدام وقالت له بكلام الدلال مالي اراك منقبض الوجه يا ابا الابطال،فاعلمها بوافعة الحال وكيف اتفق رايهم على ارساله لتونس ولا يوجد من يعتمد عليه لياخذه على سبيل المعاونة و المؤانسة، واني قد رهنت لساني مع القوم على ان اذهب ثاني يوم فقالت له ارشدك على حيلة تتخلص بها من هذه السفرة الطويلة، وهو انك عند الصباح تدخل على الامير حسن وسادات القبيلة وتقول بانك مستعد ان تذهب الى تونس بشرط ان يرسلوا معك مرعي ويحيي ويونس، فأنهم من ابناء الاعيان ولا تسمح بهم اهلهم ان يتغربوا عن الاوطان، وبهذه الوسيلة يكون عذرك واضحا عند سادات القبيلة، فاستصوب منها هذا الكلام وفي ثاني الايام ذهب الى عند الامير حسن فالتقاه بالاكرام وقال، هل استعديت على الرحيل فقال انني في غاية الاستعداد للذهاب الى تلك البلاد ن غير اني اريد ان يكون معي رفقاء و اصحاب من سادات الاعراب لان المسافة بعيدة ومشقات الطريق شديدة، فقال الامير حسن خذ معك من تريد من الفرسان الصناديد فقال، اريد ان اخذ معي يونس و يحيي و مرعي لانهم يعاونونني في الطريق عند كل شدة وضيق، وبهم يحصل النجاح و التوفيق واعود اليكم سريعا بلا تعويق ن فاستعضم الامير حسن هذا الطلب خوفا عليهم من العطب، وكان يظن بان ابا زيد يطلب غيرهم من فرسان العرب، و لكنه سمح له اخيرا بعد ان حدثهم بذلك الخبر، و في اليوم الثالث تجهزوا للسفر و ركب الامير حسن بن سرحان في سادات القبيلة و اكابر الاعيان وساروا لوداعهم مدة ثلاثة ايام على التمام، ولما عزموا على الرجوع الى الاطلال و الربوع بكوا من فؤاد متبول و اشار ابو زيد يقول:

يقول ابو زيد الهلالي سلامة
ونيران قلبي زايدت اللهايب
وعيني من كثر البكا قل شوفها
جري دمعها فوق خدي سكايب
اسمع كلامي يا امير ابو على
وكن لقولي فاهما ثم حاسب
غدونا بعون الله جل جلاله
نرود دروب الغرب يم المغارب
وفي صحبيتي مرعي ويحيي ويونس
من اجلهم ذا النجع باكي وناحيب
وعليا عيوني يا عرب في حيكم
و صبرا وريا طويلات الذوايب
يا ابو على بالك عليهم من العدا
اذا هاجت الفرسان بين المضارب
اودعتكم لله ربي وخالقي
ومن يلتجي لله ما راح خايب


فلما فرغ ابو زيد من شعره ونظامه، وفهم الامير حسن وباقي الامراء معاني كلامه، تقدم حسن امام قواده وجعل يوصي ابو زيد بالاولاد ثم بكي وقال:

يقول الفتي حسن الهلالي ابو على
دمعي جري فقوق خدي سكايب
ونيران قلبي كلما اقول تنطفي
يزبد لها بين الضلوع لهايب
لفرقة مرعي صار قلبي ذائبا
اصبحت كالسكران للخمر شارب
ويحيي ويونس نور عيني وضوها
على بعدهم دمعات عيني سكايب
فارقتهم ما كان قصدي فراقهم
ولكن احوجتني لذاك مطالب
ايا هل تري مرعي اراه بناظري
وتزول ايام العنا والمتاعب
ايا دهر يا غدار ما لك غدرتني
ففارقت خلاني وكل الحبايب
اودعتكم لله ربي وخالقي
ومن اودع الرحمن ما راح خايب
اوصيكم المزح لا تمزحونه
فانه باكثر الاوقات غير صائب
واذا اردتم تدخلون مدينه
فيونس تراه يشتري ويحاسب
واذا جادلتم عالما بطريقكم
فمرعي على ذاك الجدال يجاوب
وابقوا ليحيي حارسا لجمالكم
فانه سيحميها من الاغارب
ومن يم عليا منور عيني ومهجتي
وصبرا وريا اعز كل الحبايب
هذي وصايا احفظوها جميعا
فان كلامي كله قول صائب
وهذه مقالات الامير ابو على
فقلبي ذاب من هول المصائب



فلما فرغ الامير حسن من هذا الشعر و النظام، بكى كل من كان حاضر ثم تقدمت امراته الست نافلة، اخت الامير دياب وهي في بكاء و انتحاب وجعلت توصي الامير ابو زيد بولدها مرعي وتقول:

تقول فتاة الحي نافلة النسا
بكيت على الفرقا وما قد جرا لها
ابوزيد لا تترك لمرعي وحده
فان غاب مرعي غاب عقلي وزالها
وحافظ عليه في الصباح وفي المسا
وداريه من الاخطار وامنع وبالها
فكم يوما من نجد لبلاد تونس
فاعلمني حتي اعد ليالها
فيا ليت نجد ارضها ما امحلت
و لا راح مرعي للمغارب جالها



فلما فرغت الاميرة نفالة من كلامها، تقدم الامراء فودعوهم ثم رجعوا الى بلادهم وسار الامير ابو زيد يقطع البراري و الفقار و يوصل سير الليل بسير النهار، قاصدا ولتك الديار، واما الامير حسن فانه قال مرادي اكتب تاريخ هذه الزيارة حتي تبقي ذكررا للجميع، فاستدعي الامير زيد بن مانع وكان كاتم اسراره وكاتب الوقائع فلما حضر امره بتسجيل بعض الابيات.

فلم انتهي الامير حسن من هذه الابيلت و سمعها السادات الكرام استحسنوها غاية الاستحسان، وسجلها زيد بن مانع في الديوان لتبقى لهم ذكري في طول الزمان، وكانت جميع النساء والبنات و الامراء و السادات تدعة لرب السماوات في اكثر الاوقات وتطلب منه نجاح ابة زيد في تونس ورجوعه سالما مع مرعي ويخيي ويونس، هذا ما كان من امر القبيلة و الامير حسن. واما ما كان من ابو زيد فانه بعد رحيله من الوطن مازال مجا في المسير حتي اشرف على بلاد حزوة و النير، وهي بلاد كثيرة الخيرات واسعة الاراضى والجهات وكان الحاكم عليها في ذلك الزمان ملك عظيم الشان صاحب ابطال وفرسان اسمه الدبيسي بن مزيد، فقصده ابو زيد وسلم عليه وتمثل بين يديه ووقف مرعي ويحيي ويونس حوليه، فقال ابو زيد اطال الله عمرك و رفع مقامك فانك وحيد العصر و اولى بالمديح والشكر، فلما سمع منه هذا الكلام قال له من أي بلاد انت. قال نحن شعراء حجازية نقصد الامراء الاجاويد ونمدح الملوك الاماجيد فناخذ عطاهم وننقل ثناهم، فقصدناك الان لنمدحك دون غيركم ونشكر فضلك وجزيل خيرك، لاننا سمنعا بجودك وكرمك ومن التفاق الغريب و الامر العجيب اننا مررنا على نجد وتلك الاوطان، مدحنا اميرها حسن بن سرحان فاجازنا بالجوائز السنية وخلع علينا الخلع الملوكية، وتلك البلاد الان في غلية الضيق من شدة المحن وعدم وجود القوت و الدقيق، ثم ان ابو زيد بعد هذا الخطاب عدل الرباب واشار يمدح الدبيسي ويعلمه عن احوال نجد بانشاد الوان القصيد.

قال الراوي فلما سمع الدبسيي منهم الشعر و النضام اكرمهم غاية الاكرام، وقال لهم مرحبا يا وجوه العرب ثم انزلهم في احسن الخيام و اقاموا عنده عشرة ايام، وكان ابو زيد في هذه المدة قد عرف احوال البلاد و وما فيها من عساكر واجناد، وميز مراكزها وجميع ضواحيها وبعد ذلك ودع الدبيسي ورحل من ذلك البلد وهو قاصد بلاد المغارب، وقد جدوا بالمسير و سابقوا بجنودهم الطير وما زالوا يقطعون البراري و الاجام مدة تسعة ايام، وكانوا يستريحون بالنهار ويقطعون الفلاو تحت ظلام الاعتكار، حتى وصلوا الى بلاد العمق وهي بلاد الامير مغامس، وكان دخولهم في الليل الدامس، ولما اقتربوا من الابيات سمعوا اصوات المولدات ودق طبول وزمور تدل على فرح وسرور، فقال ابو زيد لاصحابه ابشروا بالخير فان اهل الخير مشغولون بعرس لهم ومن الصواب ان نقصدهم ونصرف هذا اليوم عندهم( قال الراوي وكان السبب في ذلك انه كان اخاني اميران من اكابر الاعيان اسم الواحد عامر و الثاني ابو الجود و كان للامير عامر ولد اسمه مغامس جميل المنظر وكان لابي الجود بنت اسمها شاة الريم وكانت في الحسن على جانب عظيم، فأتفق ابو الجود على اب يجوزها لمغامس ابن اخيه لانه يحبه وهكذا تم الاتفاق و صار تقديم المهر و الصداق، وكان لهاذين الاميريين عدو من ملوك العربان يقال له نبهان، فغار بجنوده ذات يوم على هولاء، فالتقاه ابو الجود و الامير عامر بالابطال و العساكر وجرت بينهم حروب تشيب رؤوس الاطفال، انجرح فيها الامير عامر وقتل ابو الجود وكان للامير عامر عبد من الشجعان الصناديد يقال له سعيد كان يرعى الجمال بين الروابى و التلال، فلما راي تلك الخال وما خصل بمولاه من الوبال، ركب ظهر الحصان وهجم على نبهان وتبعته الابطال و الفرسان، بقلوب اقوي من الصوان ولم يكن غير ساعة من الزمان حتي طعنه بالمح بين بزيه، فالقاه على الارض يتخبط بعضه ببعض ثم انصب على جيش الاعداء فهزمه في تلك البيداء و بعد ذلك رجع الى القبيله بغائم جزيله فالتقته النساء بالنشائد و المدح الرائد وشكرته الرجال على تلك القتال و اكرموه غاية الاكرام، وفي اليوم الثالث اشتد على الامير عامر الالم حتى صار في حال العدم، فاستقر رايه على ان يقيم عبد سعيدا مكانه لبينما يكبر ابنه مغامس ويرتفع بين الناس قدره وشانه، فجمع اكابر الديوان وقواد الفرسان واعلمهم بذلك الشان ثم احضر سعيدا وقال له بحضور السادات الاماجيد، اعلم ايها الفارس الصنديد، اني قد اقمتك مكاني كلكا على هذه الاقليم بينما يكبر ابني مغامس فتزوجه بابنته عمه شاه الريم ويصير هو الامير وتكون انت له من جمله الوزراء و الاعيان.( قال الراوي) فلما انتهى عامر من كلامه بكى كل من كان حضرا من السادات الكرام وقال سعيد لمولاه سافعل ما امرت به اني عبدك وفي نعمتك قد انتشيت وكبرت ثم تفرقت العرب الى المضارب و الخيام وبعد ثلاثة ايام شرب كاس الحمام فغسلوه ودفنوه بالوقار و الاحترام، وبكي عليه الخاص و العام. وفي اليوم الثاني جلس سعبد على الكرسي مكان مولاه الامير عامر واطاعته الاكابر والاصاغر، فمان يحكم في القبيلة ويفعل ما يريد ولا يعترضه احد حتى تمكن غاية التمكين وصار من جملة الملوك المعظمين، فلما اشتهر امره وانتشر بين الناس ذكره داحله الطمع على اختلاس المملكة والقاء ابن مولاه مغامس في مهاوي التهلكة، فجمع الاعيان والابطال وقال لهم على رؤوس الاشهاد اعلموا ايها السادة الامجاد اني صممت الان على طرد مغامس من الاوطان وارساله الى ابعد مكان، فلا عدتم من الان تساعدوه وتعاملوه بشيء مهما كان، وكل من خالف ولم يمتثل لاحكامي قطعت راسه وخمدت انفاسه، فماذا تقولون: فقالوا سمعا والف طاعة فما عدنا نعامله ولا نتكلم معه من هذه الساعة، لانك انت ملكنا وميرنا وحامي بلادنا واوطاننا فبينما هم في الحديث والكلام واذا بالامير مغامس قد دخل عليهم فحياهم فلم يجسر احد ان يرد الجواب خوفا من القصاص والعقاب، فتاثر من ذلك الامر واحترق قلبه بلهيب الجمر، وعلم ان العبد مراده يمتلك على القبيلة بالقوة الجبرية فارتد رالجعا على الاثر واعلم امه بذلك الخبر ثم بكى وتنهد وانشد شعرا.

(فقال الراوي) فلما انتهى مغامس من شعره ومقاله ورثت امه لحاله وقالت اني خائفة من غدر هذا العبد فانه نكر الجميل والمعروف، وبادانا بالشر بعدما كان راعي جمالنا وعبدنا وخادمنا، فلما انتهت من هذا الكلام حتى اقبل عليها بعض الخدام يخبرها ان تذهب بابنها من تلك الديار، وقد ارسل اليك هذه الناقة الجربانة وهذه الشاة في سبيل الاحسان والصدقة فاذهبي في الحال قبل حلول الوبال فبكت ام مغامس من هذا الكلام، وتذكرت ايام زوجها وما اكنت فيه من العز والانعام وعلو الجاه ورفعة المقام، ولكنها اجابت بالسمع والطاعة ورحلت بابنها، وفي الطريق نصبا خيمة من القش واغصان الشجر لتقيهما من حرارة الشمس وضوء القمر، وجلسا في ذلك المكام تحت مشئية الرحمن(قال الراوي) هذا ما كان من امرهما واما سعيد العبد الخائن اللئيم فانه قد ارسل يطلب شاة الريم واامر امها ان تجهزها تلك الليلة وتصلح حالها حتى يدخل بها، فلما سمعت شاة الريم ذلك الكلام كان عليه اشد من ضرب الحسام، وجعلت تبكي مع امها على مغامس ابن عمها، لانها كانت تحبه ولما زاد عليها الحال انشدت تقولمن فؤاد متبول:

تقول شاة الريم من قلب حزين
ودمع عيني فوق وجناتي غزير
من بعد ابي وعمي قبله
صار راعينا على راس السرير
يارب سعيد العبد اعدمه الحياه
و اكتب نصيبي في مغامس يانصير



فلما انتهت من كلامها وفهمت امها فحوي شعرها ونضامها قالت لها، اعلمي يا بنت ان الصب مفتاح الفرج ولا بد ان نجد لهذا الضيق من مجرج، فاصبري على حكم الله وعلى قدره وقضاه، بان هذا العبد سعيد جبار عنيد وشيطان مريد، و قد ذلت له الفرسان الصناديد وابن عمك مغامس فقير الحال ليس له مال و رجال، وان خالفنا له امر اخذك غصبيا و قهرا، فمن الواجب ان نسمع كلامه ونمتثل اوامره واحكامه، فلما سمعت شاة الريم من امها هذا الكلام صبرت على احكام رب الانام، وكان العبد سيعيد قد صنع في تلك الليله وليمه لها قدرا وقيمة، جمع فيها بعض الاعيان واكابر الديوان، فدقت الطبول ونفخت الزمور وقام في القبيلة الفرحة والسرور، ودقت المولدات بالدفوف ولعبت الفرسان بالرماح والسيوف، فلما سمع مغامس اصوات الطبول وصهيل الخيول قصد الحي تحت ظلام الليل، فعندما وقف على خقيقة الخبر، طار من عينيه الشررؤ من شدة الوجد و الغرام وزواج ابنه عمه بدر التمام بذلك العبد ابن اللئام، فرجع واعلم امه بذلك فبكت شفقة عليه وجعلت تتلطف بخاطره وتقول، الله كريم فلا بد ان تكون من نصيبك شاة الريم، وكان في هذه اللحظة مرور ابو زيد ومن معه فسمع قولهما وبكائهما فنزل اليهما يستفهم عن سبب بكائهما فاعلامه بما جرى من العبد سعيد، فقال في سره لابد ان انصرهما وجلس عندهما فقام مغامس وذبح ناقته التي ليس له غيرها وقدمها لهم فاكلوا وشربوا و اخذ ابو زيد يغني على الرباب وكان راع لسعيد العبد مارا من هناك، فسمع غناء ابو زيد عند مغامس وامه، فذهب واخبر العبد سعيد بما راه، وهذا ارسل في طلبهم فحظروا الى العبد سعيد، فوجدوا عنده جماعة من السادات والاماجيد، وهو متكيء على طهره كانه فحل جاموس ومنتظر قدوم العروس، فسلم ابو زيد عليه ولا اكترث بكلامه، ولكنه قال لهم كيف تكونون من شعراء العرب واصحاب الفضل والادب وتتركون زيارة الامير وتقصدون عجوزا لا قدر لها ولا شأن، فقال ابو زيد اطال الله عمرك وزاد في مقامك وقدرك اننا ما اتينا الى هذه القبيلة الا لنمدح جنابك ونتشرف بساحة اعتابك غير ان وصولنا كان في الظلام وكنا نريد ان نزور حضرتك في ثاني الايام، الى ان ارسلت في طلبنا مع الغلمان، فحضرنا حالا لامرك العالي فلا زالت ايامك في فرح وسرور وافراح مدى الايام والليالي، فلما انتهى ابو زيد من مقاله جلس على يمينه وجلس مرعي يحيى ويونس على شماله، وكان عند جلوسه القى ساعده على فخذ سعيد، بقوة وعزم شديد، فتالم سعيد من تلك الحركة وقال: لا مرحبا بك ولا حلت علينا البركة، قاتل الله اباك وامك فما اثقل دمك، فقال ابو زيد لا تؤاخذنا كثر الله خيرك ومعروفك ثم انشد هذه الابيات:

يقول الحجازي والحجازي سلامة
ارى الدهر بندر بالملوك الفاضل
يا حيف اهل العز ول زمانهم
ومن بعدهم حكمت اولاد الرذال
يا لهف قلبي على ملوك قد مضوا
حكم بعدهم في الناس خدام عاطل
انا ناصر الايتام بالسيف والقنا
وطاعن الاعادي فوق ظهر الصايل
انا منصف المظلوم جابر خاطره
انا فارس الفرسان ارد الجحافل
انا زوج الزينات لابناء عمهم
وابعد عنهم كل خبيث مماطل
فلا خير في عبد علا فوق سيده
ولا خير في من يغدر اهل الفضائل
فلا تحسب ان الدهر يصفو لظالم
ولا بد ما اريك طعن الذوابل


jyvfdm fkd ighg ;hlgm














الموضوع الأصلي : تغربية بني هلال كاملة || الكاتب : صدى الوجدان || المصدر : منتدى حريب بيحان

 

عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 05:54 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

فلما انتهى ابو زيد من هذه القصة اغتاظ منه سعيد وقال له: ما هذا الكلام الغليظ الشديد، يا اخس العبيد، فلولا سواد لونك كنت قطعت راسك، واخمدت انفاسك، فاجلس مكانك واكفنا شرك ولسانك، ودع غيرك يطربنا يا ابن اللئام، فعند ذلك التفت مرعي وقال له: لا تؤاخذه ولا تغضب عليه، فنه من جملة العبيد الذين لايعرفون مقام الملوك ولا لهم خبرة بحسن التصرف والسلوك، فان كنت تريد غنيتك الان بقصيد يستحق الانعام ومزيد الاكرام فتزيل اكدارك وتربح افكارك فقال سعيد هات ما عنك فانشد شعرا اسوا من شعر ابو زيد فلما فرغ من كلامه وشعره ونظامه اغتاظ سعيد الغيظ الشديد، وصاح على الجلاد ان يقطع راسه ويخمد انفاسه فمنذ ذلك اعتذر اليه يحى امام الحاضرين وكبار السادات المقدمين، وقال لا تؤاخذهما من هذا القبيل ايها الملك الجليل، فانهما من اناس بهاليل لا يعرفون مضمون الكلام ولا يميزون بين النور والظلام فانا امدحك بابيات حسان ما سمعها احد الا وزال عنه الهم والاحزان لانها تشرح الصدور وتجلب السرور، فقال هات ما عندك لعن الله اباك وجدك فاجاب يحيى بشعر اسوأ من شعر مرعي، فلما فرغ يحيى من شعره ونظامه وفهم سعيد فحوى كلامه، زاد عليه الحال واستعظم المقال وصاح على الجلاد ان يقطع رأس الثلاثة قصاصا لهم على ذلك الإفتراء، فنهض يونس على الأقدام واعتذر اليه بالكلام، وقال ان هؤلاء الشعراء من اوباش العربان لأنهم تكلموا بحضرتك بما لايليق من الكلام، فان اردت انشدك ابياتا ما سمعها قط انسان الا استحسنها، فقال بارك الله فيك انشد وخذ مني ما يرضيك، فان صدري ضاق وقلبي يحدثني بالفراق فاتشد يونس شعرا اسوا من شعر يحيى.

فلما فرغ يونس من شعره ونظامه وفهم سعيد فحوى كلامه، عظم عليه الامر وتوقد قلبه بلهيب الجمر وقال لهم لهم احضرناكم يا لئام. حتى تطربونا بالشعر والنظام وتاخذون الجوائز والانعام، ولكنكم اساتم الادب وخرجتم عن سنة العرب، وتكلمتم بما لا يليق امامس ولا اعتبرتم قدري ومقامي، فلا بد من قتلكم على كلام الزور والنفاق، فلما انتهى من هذا المقال التقاه ابو زيد مثل سبع الآجام وضربه على رأسه بالحسام فقتله في الحال وأورثه الخبال ثم هجم على باقي العبيد وتيعه مرعي ويحيى ويونس الفرسان الصناديد، ولم تكن إلاّ لحظة من الزمان حتى انزلوا بهم الهوان، ومسحوهم بالسيف الهندوان، وبعد ذلك جمع أبو زيد سادات القبيلة والوجوه الكبار، وقال لهم: ها قد قتلت هذا العبد الغدار وجماعته الأشرار، لأنهم قد طغوا وتجبروا فلا رحم الله العبد اللئيم والوغد الذميم، لأن مرادي استخلاص المملكة من مغامس اليتيم، وأخذ ابنه عمه شاة الريم، فمرادي الآن أن أقيمه أميرا مقام أبيه فما هو رأيكم وماذا تقولون فيه: قالوا هو ابن مولانا وقد رضيناه علينا أميرا ونح عبيده وطوع يديه ولا نبخل بأرواحنا عليه، فعند ذلك ركب أبو زيد الحصان وركبت معه الأبطال والفرسان والسادات والأعيان، وقصدوا الأمير مغامس ومعهم الطبول والزمور، حتى وصلوا اليه فسلموا عليه وتمثلوا بين يديه، وأعلمه أبو زيد بواقعة الحال وكيف أنه قتل ذلك العبد المحتال، ففرح مغامس بهذا الخبر وزال عنه القلق والضجر، ثم أحضره الى الحلة مع أمه بموكب عظيم وزفوا عليه ابنة عمه شاة الريم، واجلسه على الكرسي مكان أبيه وصارت العرب تمدحه وتهاديه، لأنه تخلص من أيدي اولئك العبيد الأوباش، فشكروا أبو زيد ومرعي ويونس على ذلك الصنيع واراد ان يمنعهم عن السفر الى تونس، وان يبقوا عنده فيزيد فرحه ويستانس بهم. فقال أبو زيد ثلاثة ايام في فرح وسرور وغبطة وحبور، وبعد ذلك ودع الأمير مغامس وسار مرعي ويحيى ويونس، قاصدين مدينة تونس وهم يجدون في قطع الروابي والتلال، فوصلوا الى مكة المشرفة وقلوبهم على زيارة المصطفى متلهفة، وبعد ان زاروا المقام وادوا واجبات الوقار والاحترام، اجتمعوا في بيت شكر الشريف بن هاشم وهو زوج الجازية اخت الأمير حسن، واعلموهم بخروجهم من الوطن فترحب بهم وأكرمهم بمشاهدة أبو زيد ومرعي ويحيى ويونس، ثم أنهم ركبوا وساروا يقطون البراري والآكام حتى اشرفوا الى بلاد العجم، فدخلوا عليها وداروا في اسواقها وبعد ذلك رحلوا من تلك الديار، وواصلوا سير الليل بسير النهار حتى وصلوا الى بلاد التركمان، فدخلوا على ملكها الغضبان ومدحوه بالقصائد الحسان، فاكرمهم غاية الاكرام واجازهم بنفائس الانعام، ثم ركبوا الخيول وجدوا في قطع البراري والسهول الى ان وصلوا الى عند السلام الخفاجي عامر حاكم بلاد العراق، فدخلوا وسلموا عليه فرد السلام عليهم واكرمهم غاية الاكرام ثم ان أبو زيد أخذ يمدح الخفاجي عامر، وطلب ان يمن عليه بانعامه.

فلما انتهى أبو زيد من شعره ونظامه وفهم الخفاجي عامر فحوى كلامه، اجازهم بالجوائز الحسان ثم قدم لهم الطعام، فشكروه على هذا الاهتمام واقاموا عنده ثلاثة ايام في عز واكرام ثم ودعوه وجدوا في قطع البراري والآكام الى ان وصلوا الى الشهباء، وكانوا قد تعبوا من السفر، فنزلوا عن خيولهم واستظلوا تحت اغصان الشجر، وكان أمير المدينة رجلا عالي المقام اسمه الأمير بدريس وله وزير عاقل خبير اسمع الخزاعي، وهو صاحب رأي وتدبير فاتفق انه خرج في جماعة من القوم قاصدا الصيد والقنص، فرأى أبو زيد ومن معه فسلم عليه وسالهم عن احوالهم فنهض أبو زيد وحياه، وانشده فاكرمه الأمير واعطاه.

فلما انتهى أبو زيد من هذا الشعر والنظام شكره الخزاعي وقال لهم اعلموا يا شعار العرب واصحاب الفضل والادب، اني الخزاعي وزير بدريس أمير حلب فاقصدوني الى المدينة وانا اخلع عليكم الخلع الثمينة، فيزول عنكم العنا وتنالوا القصد والمنى، ثم تركهم وسار فارسل أبو زيد الأمير يونس الى البلد لياتيهم بالماكل والمشرب لأنهم كانوا في غاية الجوع، فسار بالعجل وجعل يدور فيها ويتامل في اسواقها وحسن مبانيها ثم رجع واخذ يشرح لأبي زيد عن حسن المدينة وعما شاهد فيها من القلاع الحصينة، وبعد ذلك ركب مع جماعته مرعي ويحيى ويونس وجدوا في قطع البراري والآكام ومروا بحماة وحمص وطرابلس حتى اشرفوا على مدينة الشام، وكان الحاكم عليها في ذلك الزمان ملك عظيم الشأن إسمه شبيب التبعي ابن مالك حسان، وساروا ولو كان أجنحة لطاروا الى ان وصلوا الى القدس الشريف، فاقاموا بها يومين ومنها ساروا الى غزة ودخلوا على حاكمها الشركسي ابن نازب، فمدحوه بنفائس الأشعار واعتبرهم غاية الإعتبار، واقاموا عنده عشرة ايام، ثم جدوا في السير حتى وصلوا الى مصر العدية وتلك الأراضي البهية، فقصدوا الفرمند بن متوج ودخلوا عليه ومدحوه بنفائس الأشعار فالتقاهم بالترحيب والوقار، واقاموا عنده ثلاثة ايام وساروا قاصدين بلاد الصعيد وبلاد المغارب حتى وصلوا الى عند القاضي بن مقرب، ودخلوا عليه ومدحوه بالأشعار فاعتبرهم غاية الاعتبار وقاموا عنده في اعزاز واكرام، وكان هذا الرجل من اعلى الناس بكرم الضيوف ويجود بالالوف وهو الذي ذكره المؤرخ الشهير ابن خلدون في كتابه العبر، ثم تأهب أبو زيد للسفر فودع الماضي وسار مع جماعته.


( قال الراوي ):

واتفق ان جماعة من الشعراء العربان كانوا قصدوا بلاد نجد ومدحوا الأمير حسن بن سرحان بالأشعار الحسان كما جرت العادة في ذلك الزمان، فاجازهم بالعطايا الجميلة والمواهب الجزيلة، وكانت من جملتها جارية من بنات الحي تسمى مي، فشكروه على هذا الجميل والاحسان ثم ساروا قاصدين بلاد العرب وتلك الأوطان، حتى وصلوا الى تونس الخضراء ومدحوا الزناتي خليفة والوزراء، فاحسنوا اليهم وانعموا عليهم ثم باعوا تلك الجارية الظريفة الى سعدة بنت الزناتي خليفة، وكانت سعدة من اجمل البنات، لطيفة الذات، قد اتصفت بالأنس والمحاسن، وشاع ذكرها في جميع الأماكن، تجالس الأدباء وتنادم الملوك والأمراء ذات أدب وفضل لها معرفة بضرب الرمل، فاتفق انها سالت تلك الجارية ذات يوم عن سبب وقوعها في ايدي اولئك القوم، فاخبرتها بالقصة وكيف أن الأمير حسن اوهبها لهم على سبيل الهدية، فقالت وهل يوجد نظيري بين نساء العرب في الحسن والأدب؟ فقالت لها يا صاحبة الجود والكرم انه يوجد بين الأمم من يشبهك في الظرف والجمال ومكارم الشيم وحسن الخصال، وهو بطل الأبطال وزينة الرجال الأمير مرعي ابن مولاي حسن أمير بني هلال، فلما سمعت سعداء هذا الكلام تعلق قلبها بمرعي وهام، لأن الإنسان قد يعشق بسمع الآذان قبل المشاهدة والعيان، فقالت سعدة: اذا كان كلامك هو حقيق فاوصفيه لي على التحقيق فاشارت مي تقول:


لو تنظري يا ست مرعي بنظرة
فنظرة في مرعي تزيل المصايب
له وجه مثل البدر عند اكتماله
وخدود تشبه ساطعات الكواكب
له خد احمر والعيون نواعس
وكالسيف ماضي قفلة الحواجب
وطوله كعود الزان ان كان مايل
خلى نار قلبي تزيد اللهايب



فقالت لها سعداء قومي بنا الى البستان وانا اضرب هناك الرمل، وانظر احوال الذين ذكرتهم الآن، فان قلبي تعلق بهم غاية التعليق ومرادي ان اعرف اخبارهم على التحقيق، ثم اخذتها معها الى البستان وكان من احسن النزهات فضربت الرمل وولدت البنات من الأمهات، فتاكد لها ذلك الخبر وعرفت الأمورالتي سوف تجري، وبينما هما في الحديث اقبل عليهما العلام ابن الزناتي خليفة ونائبه في معاطاة الأحكام، صاحب معرفة وفضل وعقل من خبر الناس في ضرب الرمل، وكان يتردد على سعدة في اغلب الأيام لأنه من جملة الأهل و بني الأعمام،فسلم عليها فردت السلام واستقبلته بالترحاب والاكرام، فجلس بقربها وكان قد عرف ما في قلبها لأنه ضرب الرمل في ذلك النهار وظهرت له الأخبار، فاعلمها بافكاره وكشف لها اسراره فطلبت منه ان يكتم ذلك الخبر ولا يبيح به لأحد من البشر، خوفا عليها من الضرر وقالت له اريد منك يا ابن عمي ان تعلمني متى حضر هؤلاء القوم لأني بانتظارهم، فاجابها الى ذلك الطلب ووعدها بالمساعدة على بلوغ الأرب، ودعها وسار طالب الصيد والقنص.




هذا ما كان من سعدة وابن عمها العلام، واما ما كان من البطل الهمام والأسد الدرغام أبو زيد فارس الصدام ومن معه من السادات الكرام، فانهم كانوا قد جدوا في قطع الروابي والآكام، مدة عشرة أيام حتى وصلوا الى تونس وقت الظلام، فباتوا خارج المدينة وفي اليوم التالي صاروا يتأملون في مبانيها فوجدوها متينة وأبراجها حصينة كثيرة القلاع قوية الدفاع، وانهارها غزيرة وخيراتها كثيرة، فجعلوا يدورون حواليها يتبصرون كيف يكون الهجوم عليها، ثم دخلوا الى بستان واستمروا تحت أغصان الشجر وكانوا يقطفون ويأكلون الثمر، فبينما هم على تلك الحال إذا اقبل عليهم جماعة من الأبطال أرسلهم الزناتي ليقبضوا عليهم ويقيدوهم بالأغلال حيث بلغه خبرهم من بعض الفرسان بأنهم في ذلك البستان، فداروا بهم من اليمين والشمال فلما نظر أبو زيد تلك الفعال استعد للحرب والقتال، وهجم عليهم كالسبع وضرب بالسيف في ذلك الجمع فقتل منهم عدة رجال ومددهم على الرمال، ثم تكاثرت العساكر والجنود أحاطوا بهم، وقبضوا على مرعي ويحيى ويونس أوثقوهم بالقيود والأغلال ولم يقدروا على أبو زيد في الحرب والقتال، فعند ذلك تقدم إليه العلام على انفراد وقال له من تكون من العباد وما هو سبب مجيئكم الى هذه البلاد. فقال أبو زيد أننا شعراء من بلاد الشرق وعادتنا ان نمدح الأمراء وسمعنا بكرم الزناتي خليفة وما خصه الله من الشمائل اللطيفة، فقصدناه لأجل هذه الغاية الوحيدة، وكان وصولنا مساء فبتنا في هذا المكان حيث أننا غرباء لا نعرف احدا، الى ان أشرفتم بجمعكم علينا أوصلتم أذاكم إلينا. وأنا اسمي محمود واسم جماعتي شداد وحماد ومسعود، فقال العلام لقد كذبت في المقال وتكلمت بكلام المحال، ما أنت الا الأمير أبو زيد صاحب المكر والكيد، واما رفقاؤك فهم مرعي ويحيى ويونس، وقد أتيتم الى بلادنا لتعرفوا أحوالنا وقواتنا ثم تهجمون علينا وتحتلون بلادنا، ثم قال امسكوه ولا تؤذوه فانطبقت الفرسان على أبي زيد من اليمين والشمال، حتى قبضوا عليه أخذوه مع باقي أصحابه الى الزناتي، ولما دخلوا عليه تمثلوا بين يديه، وقالوا اعلم يا مولانا ان هذا العبد حاربنا ودهانا، وقتل منا أبطالا وفرسانا، فاغتاظ الزناتي وتكدر من هذا الخبر،وقال لأبي زيد من تكون من العربان يا أخس السودان، قال نحن شعراء نقصد الملوك والأمراء فنمدحهم ونأخذ الأنعام ونحصل على بلوغ المرام، فسمعنا بكرمك فقصدناك من بلاد العرب، طمعا بالفضة والذهب، وحيث أننا من الأعراب وليس لنا في هذه الناحية أصدقاء ولا أحباب، فدخلنا الى ذلك البستان لنأخذ لأنفسنا راحة يا ملك الزمان، ثم نقصد جناحك العالي وباقي السادات والموالي، فأحاطت بنا العساكر مع الأهالي وغاروا علينا قاصدين قتلنا واذانا، فاقتضى الحال أننا دافعنا عن أنفسنا بقدر الإمكان الى ان وقعنا في الأسر والهوان، فأمر بما تشاء وتريد أيها الملك السعيد، فلما سمع الزناتي هذا الكلام أبدى الضحك والابتسام، وقال لهم يا مناحيس ما أنت الا جواسيس، أتيتم لتردوا البلاد وتعرفوا أحوال العباد، ثم تذهبون وتأتون بالعساكر والجمع الوفير، فتملكون بلادنا واراضينا، وتتحكمون بجموعكم فينا، هذا هو السبب الذي قادكم إلينا وحملكم على القدوم والهجوم علينا، فلا بد من قتلكم يا أوغاد على روؤس الأشهاد.



وكان الزناتي قد وقف على الخبر اليقين من المنجمين، وبعد مفاوضات طويلة مع ارباب المجلس استقر الراي على شنق أبي زيد ومرعي ويحيى ويونس، فاخذهم العسكر ومروا بهم من تحت قصر الأميرة سعداء فلما سمعت ضجيج العسكر قامت جاريتها لتعلم ما الخبر فطلت راسها من الشباك وامعنت النظر فيهم فاعتراها الكدر، وقالت لمولاتها اعلمي يا زينة الدنيا ان هؤلاء الثلاثة هم مرعي ويحيى ويونس واما هذا العبد الرابع فهو ليث الوقائع الأمير أبو زيد فارس المعامع، فلما سمعت سعداء هذا الكلام، تبدل نهارها بالظلام لأنها كانت تعلقت بحب مرعي دون الأنام، فصاحت على الجلادين والعساكر والمحافظين وقالت لهم ارجعوا الى ابي بهؤلاء العرب واياكم ان تقتلوهم فيحل بكم العطب، واني ساتبعكم لأقف على حقيقة الخبر، فلما سمعوا رجعوا في الحال، وذلك لما يعهدون من علو منزلتها ونفوذ كلمتها، ثم ان سعدا لبست افخر الثياب وذهبت تخبر اباها بما فعلت ونصحته بعدم قتلهم لعدم ثبوت جرمهم واقترحت عليه حبسهم في قصرها، فاجابها الى طلبها.

فاخذت الأربعة انفار وحبستهم عندها في الدار، ثم اخذت من الطعام ما يكفيهم ونزلت اليهم فاجتمعت بمرعي في اول الأمر وقالت له: كل ولا تخبر احدا بل احفظ ذلك بالسر ثم فعلت هكذا بيحيى ويونس وقالت ليونس ان يرسل لها ابو زيد فلما حضر قدمت له شيئا من الطعام فشكرها على هذا الاهتمام، ثم انه قسمه على سبعة اقسا فسالته عن سبب ذلك فقال لها اعلمي يا زينة الممالك وبدر الليل الحالك، انني انا وجماعتي اربعة وانت والجارية اثنان على التمام، والحصة السابعة ساحزمها بحزام وارسلها الى ابنة عمي عاليا، فقالت له سعدا لماذا لا تتغذى وحدك، فتنهد من فؤاد متبول وانشد يقول:



اذا اكلت انا وجاعت جماعتي
فلا عشت عمري لسكب الصفائح
واذا جعت انا واكلت جماعتي
احمد ربي وهو كريم مسامح
ايا ست زاد اثنين يكفي ثلاثة
ويكفي اربعة يا ست والكل رايح
ويكفي خمسة من اجاويد حينا
ويكفي لستة من هلال السمائح



فضحكت سعدة من كلامه واعجبها فحوى شعره ونظامه، ثم انها اخرجتهم من الحبس واحضرتهم الى عندها وقدمت لهم الطعام واخذت تحادثهم بالكلام وتسالهم عن احوالهم وعن بلادهم فقال ابو زيد: نحن من جملة الشعراء نقصد الملوك والأمراء فنمدحهم بنفائس الأشعار ونرجع الى الديار بالدرهم والدينار، فقالت انكم لم تعلموني على التحقيق مع انني عارفة باحوالكم فاخذت تعلمهم بسفرهم وما جرى لهم في الطريق والسبب في قدومهم الى تلك الديار شعرا.

فلما فرغت سعدة من كلامها شكرها الأمير ابو زيد على اهتمامها، وباتوا تلك الليلة في سرور وانشراح، ولما اصبح الصباح امر الزناتي باحضارهم، فلما حضروا قال للأبو زيد اذا اطلقناك الى ان تاتي جماعتكم من الأوطان، فكم يوم تغيب عنا وماذا تجيب لنا، فقال اغيب ثلاثة شهور واجيب لك اربع مية الف مدرع مشهور، فقال وما هو مرادك من المدرع ايها البطل الصميدع، فاخرج الأمير ابو زيد من جيبه قطعة من الفضة الخاص وقال: هذا هو المدرع، ففرح الزناتي بذلك وقال اذهب بأمان، فقال اعطني عدة حرب وحصان لأن الطريق مخطرة، فاعطاه ما طلب فودع الزناتي وذهب، وجعل يدور البلاد ويطوف المدائن، حتى اشرف على وادي الغباين وتلك الأماكن، فوجدها كثيرة المياه والنبات متسعة البراري والفلوات تصلح للحرب والقتال، ومرعي النوق والحمال، ثم سار من هناك الى فابس ومنها الى عين دورس فوجدها احسن محل لإمتلاك تونس، وقد تعجب من خيرات البلاد وكثرة ما فيها من الايراد، ثم طاف جميع البلاد وعرف السهول والوهاد ورجه ليرى احوال البلاد، ولما دخل الى قصر سعدا فرآه مطليا بالرصاص وكان الوقت نصف الليل فارعدت الدنيا وابرقت، حتى قام الأولاد من نومهم وعادوا يذكرون بلادهم وصار مرعي ينشد الشعر ممزوجا بالبخيبة.

فلما فرغ مرعي من شعره كان ابو زد واقفا تحت القصر يسمع، ثم رآه الطواشي ففتح له ودخل عندهم وسلم عليهم، فقالوا له اين كنت يا ابا زيد الى الآن، انت في تونس ونحن نقاسي اشد الضيق، فقال انني تهت عن الطريق وقد صممت الآن على السفر واتيت لوداعكم، ثم تندم وودعهم واوصى سعدا بهم بكى بكاء شديدا وتقدم الأمير مرعي يودعه.

فلما فرغ الأمير من كلامه قال ابو زيد، لا يكون لك ادنى فكر لأنني سابذل الجهد في تخليصكم، ثم ودعهم وسار وعيناه تذرف بالدموع، وسار يقطع البراري والقفار مدة عشرين يوما حتى اقبل الى ارض الصعيد، فدخل على القاضي بن مقرب واخبره بما جرى له من الأول الى الآخر، فبكى القاضي بكاء شديدا، ثم انه بقي بضيافته نحو يومين وبعد ذلك ودعهم وسار يقطع البراري القفار عدة ايام حتى وصل نواحي حلب فجلس في ظل شجرة هناك أخذ راحة، فبينما هو جالس اقبل عليه تاجر قاصد بلاد المغرب، فقال له هل تعرف الأمير علام؟ فقال له: من اعز اصحابي واعظم احبابي فقال له ابو زيد ارغب ان اعطيك كتابا توصله اليه فقال اكتب ما بدا لك فعند ذلك اخذ ابو زيد يكتب للعلام يقول:


يقول ابو زيد الهلالي سلامة
فمن كان شقي لاتسعده الأيام
نعم انا ايها الغادي وحامل كتابنا
تجد السرى في واسع الآكام
اذا جيت تونس وقابس وارضها
فسلم على الفتى المسمى العلام
اوصيك في مرعي ويحيى ويونس
اولاد اختي من فروع كرام
فلا بد ما ارجع اعود وانثني
ولا بد ما آني بقوم لزام
باربع تسعينات الوف عدادهم
تشبه جرادا منتشر بغمام
ولابد من لطمة على باب تونس
ويبقى الدما فوق الثرى عوام
ولابد من قتل الهيدي بصارمي
وابقى الزناتي بالقبور ينام
واهلك بلاد الغرب بحد صارمي
واملكك في الغرب يا علام



فلما فرغ ابو زيد من كلامه طوى الكتاب فاخذه التاجر وسار يقطع البراري والقفارحتى اشرف الى تونس وتلك الديار فاخذ المكتوب وسلمه الى العلام، ففضه وقراه وعرف حقيقة فحواه، واما الأمير ابوزيد فانه ما زاال يجد في المسير مدة خمسين يوما حتى اقبل الى نجد، وحين دخوله الى نجع بني هلال التقاه الكبار والصغار حتى اقبل الى صيوان الأمير حسن فدخل وسلم عليه وعلى الذين حواليه فلما رآه الأمير حسن والأمير دياب والقاضي بدير والأمير زيدان تقدموا اليه وقبلوه بين عينيه واجلسه الأمير حسن بجنبه ودارت البشائر في بلاد نجد بان الأمير ابو زيد حضر من بلاد الغرب، فاجتمعت الفرسان من كل جانب ومكان حتى احتبك الديوان، وحينئذ سالوه عن مرعي ويحيى ويونس، فعند ذلك بكى الأمير ابو زيد بكاء شديدا واشار يخبرهم عما جرى له بقصيدة انشدها امامهم.

فلما فرغ ابو زيد من الشعر بكى الأمير حسن ومن حضر من السادات الكرام لاسيما اهل الاولاد، فقد تفطرت منهم الأكباد وقالوا لأبو زيد اعلم يا فارس الفرسان اننا لانفك عنك ولا نعرف اولادنا الا منك، فقال كونوا براحة بال فاني كما اخذتهم من الطلال سارجعهم وهم على احسن حال وانعم بال، فالتفت الأمير حسن الى الحاضرين وقال لهم مرادي الرحيل الى بلاد الغرب واقيم هناك الحرب واخلص الأمراء بالطعن والضرب، فاستحسنوا هذا الخطاب وقال ابو زيد هذا هو الراي الصواب، ولكن قبل الرحيل من هذه الأطلال بالفرسان والأبطال والنساء والعيال، يجب ان تاتوا بالجازية لتركب امام ظعون بني هلال مع الست ريما والست عدلا والست ريا وسعد الرجا وبدر النعام وجوهرة العقول ونجمة السحور وزين الدار والست عليا لأنه اذا اشتعلت نيران الحرب ووقع الطعن والضرب تكون الجازية وباقي السيدات امام الأبطال في العماريات لأن الجازية من النساء المشاهير ذات راي وتدبير، وهكذا تم الراي بين الأمراء والأعيان وارسلوا اربعة وعشرين فارسا من الشجعان للرحيل بنساء القبيلة، وتاهبوا للطعن والضرب والسير الى تونس الغرب، وامر الأمير حسن بدق طبل الرجوج فدق الطبل في الحال واجتمعت الفرسان والابطال، وسارت الرجال ودخلوا على الأمير حسن بن سرحان وهو في الديوان، فاخبرهم بما جرى وقال لهم استقر راينا ان نرحل من الأوطان ونقصد بلاد الغرب بعد ستة ايام فكونوا في الاستعداد التام لن ارضنا قد امحلت ووقع بنا الغلا واولادنا في اسر الزناتي خليفة يقاسون العنا.



وفي اليوم السابع تهجز الابطال للمسير والارتحال فهدت المضارب والخيام وانتشرت الرايات والاعلام ودقت الطبول وركبت الفرسان ظهور الخيول، واعتقلوا بالسيوف والنصول وركبت الحريم والعيال والاولاد والاطفال ونساء الامراء والجازية ام محمد وكان الامير ابو زيد في مقدمة الفرسان، وساروا عدة ايام حتى اشرفوا على بلاد حزوة والنير فنزلوا هناك ونصبوا المضارب والخيام وكان الحاكم عليها الدبيسي بن مزيد وكان من صناديد الابطال.






















عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:31 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

قصة الدبيسي بن مزيد( الجزء الثالث )



لايقدر العواقب ولا يخشى حلول المصائب، وكان في الشجاعة والفروسية في طبقة علية يفتخر بنفسه ويفضل ذاته على جميع الفرسان في ساحة الميدان ويقول انه اذا ركب الجواد لا يوجد من يقاومه في الحرب والطراد، ولو كان ابو الفوارس عنترة بن شداد، وكان له اربعة وزراء يركن اليهم ويعتقد في اموره عليهم، وهم مقلد وهمام وراشد وسلام وله ولد اسمه مزيد قد سماه على اسم جده وكان يحبه كثيرا، ومن شدة محبته فيه اراد ان يزوجه بابنة اخيه فجمع وزراءه واخبرهم بما قد صمم عليه فاجابو على ذلك المرام ما عدا الوزير همام، فانه كان صاحب راي وتدبير فنهاه عن ذلك في الوقت الحاضر، واعلمه بقدوم بني هلال الى تلك البلاد بالجيوش والعساكر، فانذهل الدبيسي وحار في امره وبينما هو مجلسه دخل عليه الرعيان واخبروه بقدوم بني هلال وانهم ملأوا الأرض بجيشهم فاستشار الدبيسي وزراءه فاشاروا عليه بان يرسل من يستطلع عددهم، فارسل العبد راشد الى مضارب بني هلال، فانذهل مما راى من كثرة الرجال والابطال والفرسان ورجع الى الدبيسي واخبره بما راى فزاد خوفه وفزعه فاستدعى اليه الوزراء واخبرهم بذلك، فلم يجبه احد بكلام، فقال لهم ما بالكم لا ترون الجواب فقال الوزير راشد انه من الواجب ان ترسل لهم كتابا تامرهم بدفع عشر المال مع النوق والجمال، فان امتنعوا عن ذلك نقاتلهم في الحال ونشتتهم في البراري والتلال، فاكتب لهم بهذا الصدد وانا آخذه اليهم وآتيك بالجواب، فاستصوب الملك رايه وكتب لهم كتابا يقول فيه:

يقول الدبيسي والدبيسي مزيد
بدمع جرى فوق الخدود بدود
الا ياغاديا على متن ضامر
تشابه غزالا بالفلاة شرود
اذا جيت عند الهلالي ابو علي
اعطيه مكتوبي تنال سعود
الا يا حسن اسمع كلامي واعتبر
وافهم مني غاية المقصود
فان كان قصدك تجوز بلادنا
فارسل لنا عشر مالك ترود
ارسل لنا الفين حمرة سليلة
والف جواد يامير هدود
والفين سيف يا أمير مسقطة
والف درع من عمل داود
وارسل لنا الجازية ام محمد
مع الست عليا بغية المقصود
وارسل لنا معها بنات امارتك
واحذر تخالف ولا تكون حقود
وان كنت لا تدفع لنا ما ذكرته
فارجع لأرضك واياك تعود



ثم ختم الكتاب واعطاه للوزير راشد، فاذه وسار حتى اشرف على بني هلال فنزل من على الحصان فسلم على السلطان، وعلى باقي الأمراء فردوا عليه السلام والتقوه بالترحاب والاكرام، وامر له بالجلوس فجلس بقربه وسال عن اسمه وعربه فاعلمه بواقعة الحال وعن سبب حضوره الى تلك الاطلال ثم اعطاه الكتاب، فاخذه الأمير وقراه، ولما وقف على حقيقة فحواه غضب الغضب الشديد لكنه اخفى الكمد واظهر الجلد، ثم امر الغلمان ان ياخذوا الوزير الى دار الضيافة، ولما خرج من الديوان التفت اللا الأمراء والأعيان واطلعهم على خطاب الدبيسي الذي طلب فيه عشر المال، فقال ابو زيد انه من الصواب ان تقول للدبيسي ان يمهلنا عشرة ايام ونحن نرسل له طلبه بالتمام ومتى انقضت المدة ولح في الطلب تقول له ليس عندنا مال ولا ذهب سوى الحرب والقتال في ساحة المجال، وبهذه الحال تكون فرساننا قد استراحت من تعب الطريق.

وتبادل الدبيسي وحسن الحوار شعرا، ثم ان حسن طوى الكتاب وختمه في الحال وسلمه الى الوزير فاوصله الوزير الى الدبيسي ودخل وسلم عليه واعطاه الكتاب ففتحه وقراه وعرف ما حواه ففرح واستبشر وايقن بالنجاح وبلوغ الوطر، ولما انتهت العشرة ايام لم ترسل بنو هلال الموال، قال الدبيسي للوزير ها قد مضت المدة المعينة ولم نقف على افادة ولا وردت الأموال، فيجب ان تسير اليه وتطلب منهم ان يبادروا بارسالها في الحال والا حاربناهم وانزلنا بهم الوبال فامتثل الوزير امره وسار الى صيوان الأمير حسن ودخل وسلم عليه، ثم جلس قليلا وبعد ذلك طالبه بالمال، ولامه على ذلك الاهمال، فقالت السادات ارجع الى مولاك وقل له ليس عندنا مال ولا نوق ولا جمال، غير ضرب السيف وطعن النصال، فاغتاظ الوزير من هذا الكلام ورجع الى مولاه واخبره بما سمعه من القوم فزاد غيظ الدبيسي، وامر الرؤساء والقادة بجمع العساكر والاجنا، فعند ذلك دقت الطبول وركبت الفرسان ظهور الخيل واعتقلت بالرماح وخفقت الرايات وركبت الابطال باربع مائة الف مقاتل.


( قال الراوي ):
فلما ركب الدبيسي ومعه العسار والاجناد، طالبا ديار بني هلال، اقترب منهم فالتقوا به ودنو من بعضهم، فبرز من فرسان الدبيسي فارس كانه الاسد الكاسر اسمه الامير خاطر، فبرز اليه دياب فقال له: من تكون من بني هلال؟

فقال: انا دياب المصادم وصاح فيه؛ وهجم عليه فالتقاه الفارس كالاسد الكاسر، وجرى بينهما حروب واهوال تشيب رؤوس الاطفال وبعد ذلك اختلف بينهما ضربتان قاطعتان، وكان السابق الأمير دياب لأنه اعلم في اصول الحرب واخبر في مواقع الطعن والضرب، فوقعت الضربة على هامه فقدته نصفين، ثم سال وجال وطلب مبارزة الابطال، فبرز اليه فارس آخر فقتله وثان جندله وثالث عجل الى المقابر مرتحله، وما زال يبارز الفرسان والابطال ويمددها على وجه الرمال الى وقت الزوال، دقت طبول الانفصال وبات الفريقين يتحارسان تحت مشيئة الرحمن، ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح، برز الأمير دياب الى الميدان وطلب مبارزة الفرسان، فبرز اليه الوزير راشد، فالتقاه الأمير دياب بقلب كالحديد، ثم التقى البطلان كانهما جبلان او اسدان كاسران، وحان عليهما الحين وغنى على راسيهما غراب البين ولم تكن الا ساعة من الزمان، حتى استطال عليه دياب في الميدان وطعنه بالرمح في صدره، خرج يلمع من ظهره فوقع على الارض قتيلا وفي دمه جديلا، فلما قتل الوزير راشد هجمت جموع الدبيسي بقلب واحد فتلقتهم بنو هلال بقلوب كالجبال واشتد بين العسكرين القتال، وعظمت الاهوال، فما كنت ترى الا وقع السيوف على السيوف وقتال يشيب الاطفال، وما زال القوم على تلك الحال وهم في اشد القتال الى وقت الزوال، فعد ذلك دقت طبول الانفصال فتاخرت عساكر الدبيسي خاسرة ورجعت بنو هلال ظافرة، وفي ثاني الايام دقت طبول الحرب والكفاح، فركبت الفرسان واعتقلت بالسيوف والرماح وبرز الأمير دياب فصال وجال في ساحة المجال، وطلب مبارزة الأبطال فبرز اليه الوزير محمود فالتقاه الأمير دياب بقلب شديد.

ثم ان الوزير هم على دياب فالتقاه دياب بقلب شديد وهجم عليه هجوم الصناديد، واشتد بينهما القتال في ساحة المجال، فاختلف بين الاثنين ضربتان قاطعتان وكان السابق الوزير محمود، فغطس دياب تحت الخضرا فراحت الضربة خائبة، ثم انتصب الأمير دياب وهجم عليه سبع الغب فضربه بالسيف عل هامه، فقطعه نصفين وكان له اخ يدعى الهداف، فلما راى اخاه قد مات زادت عليه الحسرات فهجم على الأمير دياب لياخذ بثأر اخيه فالتقاه الأمير دياب في الميدان بقلب اقوى من الصوان، وجرى بينهما حروب واهوال تشيب رؤوس الاطفال، واستمرا على تلك الحال وهما في اشد القتال، الى ان ولى النهار واقبل الليل، فوقفا عن القتال وباتت العساكر في البطاح، ولما اصبح الصباح دقت طبول الحرب والكفاح وبرز الهداف الى الميدان وطلب مبارزة الفرسان، فبرز اليه دياب وصدمه كليث الغاب، فالتقاه الهداف وهجم عليه الاسد الرئبال، وما زالا في اشد قتال وطعان يذهل العقول الشجعان، الى ان انتصف النهار وكان ان استظهر عليه دياب وضربه على عنقه بالسيف البتار فقطعه نصفين والقاه في ساحة المجال، فلما رات جموع الدبيسي ما حل بوزيرها، هجمت على دياب، فعند ذلك هجمت بنو هلال من اليمين والشمال، والتقت الرجال بالرجال، وجرى الدم وسال من شدة الحرب والقتال، وما زالوا على تلك الحال الى وقت الزوال، فدقت طبول الانفصال وباتت بنو هلال في سرور، وبات الدبيسي في قلق وضجر لأنه قد قتل الشجعان الملك الدبيسي، فصال وجال في ساحة المجال ونادى اين فرسان بني هلال، فلتبرز الآن الى ساحة القتال، فما تم كلامه حتى صار الأمير دياب قدامه وانشد شعرا يهدد به الدبيسي فاغتاظ الدبيسي منه، ورد عليه فاغتاظ دياب بدوره وانطبق عله، وفعل الدبيسي مثل ما فعل واخذا في الحرب والقتال وجرى بينهما عجائب واهوال، الى ان ولى النهار واقبل الليل بالاعتكار، فافترقا عن بعضهما البعض وعند رجوع الأمير دياب من معركة الصدام التقاه الأمير حسن باعزاز واكرام وشكره على ما فعل، وقال له لا تنزل غدا الى الميدان لأن لك عدة ايام في الحرب والصدام والدبيسي مرتاح ثم ختم الكلام بهذا الشعر والنظام:

قال الفتى حسن الهلالي ابو علي
الدمع من فوق الخدود سيولا
يامرحبا بك يا دياب الغانم
يا فارس الفرسان يوم الهولا
يا فارس الفرسان يا ليث العدا
يا ليت عمرك يا امير يطولا
يا امير انك قد قتلت لراشد
وسلام اضحى ميتا مقتولا
اما الفتى محمود ولى وانمحى
واخوه هدافا غدا مجدولا
فقهرتهم يوم الوغى حتى غدوا
قتلى بحد الصارم المصقولا
واليوم قد نزل الدبيسي صادمك
في حومة الميدان مثل الغولا
يا امير دع غيرك في غدا ينازله
فاسمع كلامي وافهم المنقولا
اخاف توقع يا دياب بغدره
تضحى صريعا في الفلا مقتولا





( قال الرواي ):

فلما فرغ الأمير حسن من شعره ونظامه وفهم دياب فحوى كلامه، توقف عن رد الجواب فقال له حسن علامك يا دياب لا ترد الجواب فقال ارجو ايها الهمام ان لا تمنعني عن هذا الطلب وان قتلت فروحي فداك فاني لااخشى الموت في قتال اعدائك فشكره حسن وقبله في صدره وقال له: انا ما تفوهت بهذا الكلام الا لما وجدتك تعبان وما دام الامر كذلك فابرز نهار غد وقاتل خصمك واتكل على الله.

ثم باتوا تلك الليلة في سرور وانشراح ولما اقبل الصبح واشرق بنوره ولاح، دقت الطبول وركبت الفرسان ظهور الخيول واعتقلوا بالرماح والنصول، وتقدموا الى ساحة الميدان وكان اسبقهم الأمير دياب، ولما صار في معركة القتال طلب الدبيسي، فانحدر اليه فالتقاه كسبع الآجام، واخذ معه في الحرب والصدام واشتد بين البطلين القتال وعظمت الأهوال، وكانا تارة يتقدمان وتارة يتاخران وكانت عيون الفرسان شاخصة اليهما ومازا على تلك الحال الى وقت الزوال، فدقت طبول الانفصال فافترقا على سلام ورجعا الى الخيام، ولما اصبح الصباح ركب الأمير دياب فتقدمت اليه ابنته وطفا وهي تبكي بدموع غزار، فتعجب من ذلك وقال لها اعلميني بما اصابك قالت مرادي ان تتوقف هذا اليوم عن قتال القوم فقد رايت حلما في المنام اصبحت منه في اوهام وقصت خكاية حلمها شعرا، فقال لها: لا تخافي من هذا المنام فانه اضغاث احلام، فلا بد لي من الحرب والصدام فاذهبي الى خيامك ولا تخافي، فرجعت الى الخيام وتقدم دياب الى معركة الصدام فوجد الدبيسي بانتظاره، فصالا وجالا في ساحة الميدان واخذا بالضرب والطعن حتى حيرا الأذهان، فاختلف بين الاثنين ضربتان قاطعتان، وكان السابق الأمير دياب فابطلها الدبيسي بمعرفته ثم هجم على دياب كسبع الغاب وطعنه بالرمح طعنة قوية فجاء الرمح في فخذه فسالت دماء ويئس من الحياة، واراد الدبيسي ان يعجل فناه، واذا بفارس من بني هلال قد اقبل كانه قطعة من جبل وهو يهدر كالأسد، فخلص دياب من يد الدبيسي واعاده الى المضارب، ثم اقتحم الصفوف والمواكب، وهو يصيح وينادي اتاكم أبو زيد ليث الأعادي، وجعل ينخى بني هلال على الحرب والقتال فحملوا على جيش العدا من كل جانب، فعند ذلك حملت العساكر على العساكر وتقاتلوا بالسيوف والخناجر وحمل حسن بن سرحان وتبعه السادات والأعيان، ولم تكن ساعة من الزمان حتى اشتدت الأهوال وتمددت الأبطال على وجه الرمال وما زالوا في أشد قتال الى وقت الزوال، وكانت عساكر الدبيسي قد استظهرت في ذلك النهار واسرت عشرين فارسا من بني هلال الأخيار من جملتهم الامير عرندس والرياشي ومفرج والهدار، فلما شاهد حسن تلك الأهوال خاف على بني هلال من الهلاك والوبال فلما نزل في المضارب جمع قادة المواكب واخذ يستشيرهم بالقصيد.

فرد عليه ابو زيد وفهم الامير حسن فحوى مرامه فاستحسنه مع جميع السادات. هذا ما كان من بني هلال واما الدبيسي فانه عند رجوعه من القتال، كبرت في نفسه واحضر الاسرى بين يديه وتهددهم بالقتل والدمار، فوجدهم لا يبالون بالاخطار فارسلهم الى الحبس بعد ان شفى منهم غليل النفس، ولما اصبح الصباح واشرق بنوره ولاح،برز القاضي بدير الى الميدان وطلب مبارزة الفرسان، فبرز اليه فارس يقال له جاسر فحمل على بعضهما البعض وتجاول في الطول والعرض وتضاربا بالسيوف وتطاعنا بالرماح ولم يزالا في حرب وقتل وطعن الى قرب الزوال.

وكان القاضي قد استظهر على جاسر وهجم عليه كالاسد الكاسر وطعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره، فوقع على الارض يتخبط بعضه ببعض ثم هجم آخر فقتله وعجل من الدنيا مرتحله، فعند ذلك دقت طبول الانفصال فرجع القاضي من معركة القتال فالتقته بنو هلال بالاكرام والاجلال وهنأته بالسلامة من الوبال، وباتوا تلك الليلة الى أن اصبح الصباح فتواثبوا الى الحرب والكفاح، فبرز من قوم الدبيسي فارس يقال له تميم، وطلب فتال الفرسان فبرز اليه الامير عقيل وهو اخو ابو زيد، فصدمه تميم صدمة جبار واشار يقول شعرا، فرد عليه عقيل، ولما فرغ من شعره حمل عليه واخذا في الصدام والعراك واشتبكا اشد اشتباك، وما زالا على تلك الحال وهما في اشد قتال، وكان عقيل قد استظهر على خصمه اشد الاستظهار، فضربه على عنقه بالسيف البتار وذا براسه قد طار، وكان له اخ اسمه ناصر فلما رأى ما حل باخيه هجم على عقيل هجمة الاسود، فالتقاه عقيل بقلب كالجبل والتحم بينهما القتال، وكان عقيل يريد سرعة الانجاز فلاصقه وضايقه وضربه بالحسام على رأسه فشقه ووقع على الفلاة وعدم الحياة، وكان الوقت قريب لزوال فدقت طبول الانفصال ورجع عقيل الى بني هلال، فالتقاه قومه بالكرامة وهنأوه بالسلامة وشكروه على فعاله وزادوا في اكرامه واجلاله، واما الدبيسي بن مزيد فقد تنغص عيشه وتنكد. فاجتمعت الاكابر والعمد ودخلوا على اميرهم وتمثلوا بين يديه وقالوا الى متى هذا الحال،فقد قتل منا عدة ابطال، فجعل يوعدهم في الانتصار، وثاني الايام برز الدبيسي الى الميدان وطلب مبارزة الابطال، فبرز اليه غنيم ابن مفلح، وكان غلاما جميلا فقال له الدبيسي من تكون يا غلام حتى تبرز في معركة الصدام، ثم صدمه بقوة واهتمام، وما زالوا في قتال شديد فمد الدبيسي يده واقتلعه مثل العصفور وسلمه الى اصحابه فاوثقوه بالكتاف، ثم صال الدبيسي وجال وطلب مبارزة الابطال، فبرز اليه زيدان وصدمه بقلب اقوى من الصوان، فالتقاه الدبيسي كالاسد الغضبان وأخذا يتضاربان ويتحاربان واستمرا على ذلك الشأن نحو ثلاث ساعات، ثم افترقا بالسلامة والامان، وبينما كان الامير زيدان راجعا من الميدان، ضرب الدبيسي حصانه فرماه على الارض، فانقضت عليه جموع الدبيسي فأخذوه واوثقوه، فهاج بنو هلال النساء والرجال واستعظموا تلك الاحوال وذهبت منهم جماعة من الاعيان الى عند أبي زيد فارس الفرسان، فوقعوا عليه وطلبوا منه ان يسعى لتخليص الفرسان والابطال من الاسر والاعتقال، فطيب قلوبهم ووعدهم بأنه سيبذل المجهود، ثم انه غير زيه وتنكر ولبس حلة من الحرير الاخضر ووضع طيلسانا على رأسه حتى لم يعد يعرفه احد، وقصد الملك الدبيسي ودعا له بالعز والانعام، وكان كلامه معه باللغة الفارسية فلما رآه الدبيسي على تلك الصفة ظن بانه من دراويش الاعجام فاحترمه غاية الاحترام وقال له: من اين أتيت يا ابن الاجواد؟ قال من مدينة بغداد واني فقير من فقراء عبد القادر رب الفضائل والمآثر، فقال ادعو لنا يا درويش الاعجام بالنجاح والانتصار، وان يرزقنا الله بأبي زيد المخادع الماكر حتى نقتله على رؤوس الاشهاد، لانه هو السبب في قدوم بني هلال الى هذه المنازل واطلال فاذا استجاب الله طلبك بلغناك اربك، فقال له الله يبلغك المرام بجاه مولاك عبد القادر وباقي الاولياء العظام، وما دام كذلك اريد منك ان تأمر لي بالذهاب الى البلد حتى انام في جامع عبد الصمد، فسمح له بالذهاب وامر الحجاب ان يفتحوا له الابواب.














عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:33 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

الجزء الرابع: من تغريبة بني هلال



وعند دخوله الى البلد قصد المكان الذي كانت مسجونة فيه فرسان بني هلال، فوجد العبيد يطوفون من خلف وقدام، فسلم عليهم فردوا السلام وقالوا من انت وما تريد، فقال قد أرسلني الدبيسي لادعو له في جامع عبد الصمد بأن الله يبلغه المراد وينتصر على ابو زيد، وانتم من تكونون؟ فقالوا نحن الحراس نحافظ على اسرى بيت هلال خوفا من الاعداء. ثم ان ابا زيد اخرج من جيبه شمعة مبنجة فاضاءها بعد ان فرك منخريه بضد البنج. فلما اشتعلت فاحت منها رائحة زكية ولم تكن إلا برهة يسيرة حتى وقعت الحراس كالاموات من ذلك البنج. وبعد ذلك اخرج المغناطيس ووضعه على الاقفال فتساقطت في الحال، فرأى فرسان بني هلال في القيود والاغلال وهم يقاسون الاهوال، فاعلمهم بالامر وفكهم من الاسر واعطاهم اسلحة الجماعة وقال لهم اتبعوني بعد ساعة، فلما وصل الى الباب وجد الحراس جالسين وفي ايديهم السيوف والحراب فسلم عليهم فردوا السلام، وقاموا له على الاقدام واجلسوه بجانبهم، وجعلوا يخاطبونه ويخاطبهم، وكان يمد يده الى جرابه ويأخذ قطعا من السكر ويأكلها امامهم فقالوا له ما هذا الذي تأكله يا شلبي، فقال هذا ملبس حلبي فقالوا له اطعمنا ونحن ندعو لك بالتوفيق والخير، فاعطاهم قبضة كبيرة وكانت مبنجة فأكلوها فلما استقرت في بطونهم تبنجوا وفي تلك الساعة اقبلت الاسرى وخرجوا وجدوا في قطع البراري والبطاح، فوصلوا لاهلهم عند الصباح فقامت الافراح وكثر الصياح، وشكروا أبا زيد على تلك الفعال. وأهل البلد حل عليهم الويل والنكد لما رأوا الحراس راقدين والاسرى مطلوقين، ولما بلغ الدبيسي هذا الخبر طار من عينيه الشرر، وتأكد عنده بعد التحقيق والتفتيش ان البلاء من ذلك الدرويش، وما هو الا ابو زيد صاحب المكر والكيد، ولكنه اخفى الكمد واظهر الجلد، وزحف بالعساكر والابطال لقتال بني هلال، وبرز للميدان وكان اول من برز الى الدبيسي سرور بن فايد فالتقاه الدبيسي بقلب كالصوان، واخذه اسيرا، وبرز اليه نعيم الزحلان وكان من صناديد الشجعان، فاسره في الحال وما زال يأسر الفرسان والابطال حتى اسر خمسين فارسا من بني هلال وفقد منها عدة ابطال وقد اشرفت على الوبال من هول القتال، فلما كان اليوم الرابع هجم الدبيسي بجيوشه قاصدا قتال بني هلال وانطبق عليهم من اليمين والشمال وقاتلهم اشد قتال، فكانت واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها في الأيام، فكثر الصياح وجرى الدم وساح، فما كانت ترى الا رؤسا طائرة ودماء فائرة وفرسانا غائرة ودارت على بني هلال الدائرة، واستمر القتال على هذا المنوال حتى كثرت الاهوال على بني هلال فلم يعد لهم ثبات، فتاخروا الى الوراء وقد قتل من الفريقين نحو عشرين الف بطل كرار، ولما اظلم الظلام واجتمعت بنو هلال في الخيام وهم بحالة الذل والانكسار، عقدوا ديوانا مع الأمير حسن وطلبوا منه ان يمدهم برايه فاخذ يحمسهم بالمقال ويشجعهم على الحرب والقتال، ثم قال من الواجب ان تركب الجازية مع العمارية ونحمل عليهم في الصباح بالكتائب والمواكب، والا حلت بنا النوائب، فاشتدت عزائمهم على الحرب والصدام واجابوه على فرد لسان، اننا سنقاتل نهار غد بالسيف والسنان، حتى لا يبقى منا انسان، ولما اصبح الصباح واضاء بنوره ولاح، دقت طبول الحرب والكفاح، فركبت العساكر وهجمت على عساكر الدبيسي بقلب كالحديد، والتقت الرجال بالرجال والابطال بالابطال واشتدت الاهوال وارتجت السهول والجبال ومازالوا على تلك الحال حتى تضعضعت من الدبيسي الاحوال، فعند ذلك مالوا على عليهم من اليمين والشمال وتفرقت جموعهم بين الروابي والتلال، هذا والدبيسي ينخى الابطال ويقول انا الفارس المؤيد المدعو الدبيسي ابن مزيد، فلا يبرز لي الا أبو زيد صاحب المكر والكيد، الذي اتى الينا واحتال علينا، فما اتم كلامه حتى صار ابو زيد امامه وصدمه صدمة تزعزع الجبال والتقيا في ساحة المجال، واصطدما كانهما بحران وتزاحما كانهما اسدان حتى حان عليهما الحين وزعق فوق راسيهما غراب البين، واستمرا على تلك الحال الى نصف النهار، واما ابو زيد فاستظهر على خصمه وضايقه وسد عليه طرقه وطرائقه وطعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره، فوقع عى الارض قتيلا، ولما رات قومه ما حل به خافت من الهلاك والبوار فولوا طالبين الفرار، وقصدوا المدينة وقد انقطع منهم الامل فتبعهم ابو زيد وبنو زحلان والأمير دياب والأمير حسن وباقي الفرسان ودخلوا المدينة وراءهم وضربوا فيهم بالسيف حتى جرت الدماء في الأسواق وبليت قوم الدبيسي بما لايطاق، وعلا بينهم الصياح والبكاء والنواح، ثم هجمت بنو هلال على الحصون والقلاع وخلصوا اسراهم من الاعتقال، ورجعوا من ساحة القتال وثيابهم كشقائق الارجوان من ادمية الفرسان،ونزلوا في المضارب والخيام وقد بلغوا غاية المرام،فخلعوا الحديد ولبسوا الاطاليس والحرير ودارت القهوة والشراب على الامراء والسادات، ثم نهض وزير الدبيسي همام واخذ مزيد بن الدبيسي وامه بدر، وسار بهما عند الأمير حسن فدخل وسلم عليه وبكى وطلب منه العفو والأمان وان يعاملهما بالطيب والاحسان، ثم تقدمت الأميرة بدر هيوالأمير مزيد والوزير همام اى الأمير حسن وقالوا له العفو يا امير الزمان، فقد نصحنا الدبيسي وحذرناه من عواقب الامور فلم يسمع كلامنا الى ان نفذ به الامر المقدر، فاجابهم الى ما طلبوا واكرمهم غاية الاكرام وخلع عليهم الخلع الفاخرة ونادى بالامان وزالت الاكدار والاحزان، وكان مزيد خاطب ابنة عمه هند وكانت من النساء المحسنات، فاعلم الوزير الامير حسن بذلك وطلب منه ان يزفها عليه فاجابه الى ذلك، وفي الحال ذبحوا النوق والاغنام ودارت الافراح سبعة ايام، وبعد تمام الافراح ولى الامير حسن مزيد مكان ابيه على البلاد، وطاعته جميع العباد لأنه كان يحب العدل والانصاف ويكره الجور والاسراف، وبعد تمام العرس امر الامير حسن بهذه المضارب والخيام وجمع المكاسب والاغنام وبالرحيل الى بلاد الغرب، فاجتمعت الفرسان من كل جانب ومكان فركب الامير دياب والقاضي بدير وزيدان شيخ الشباب، بستين الف من الشبان وركبت الجازية مع البنات وحينئذ ركبت الفرسان ظهور الخيل وانتشرت البيارق وكانت الفرسان تهوج وتموج مثل ايام ياجوج وماجوج، وجدوا في قطع البراري والقفار والسهول والاوعار، يوصلون سير الليل بالنهار، حتى وصلوا الى بلاد الاعجام، فنزلوا في مرج واسع كثير المياه فنصبوا المضارب والخيام.

حرب بني هلال مع الاعجام وسبي المارية




( قال الراوي ):

وكان الحاكم على بلاد الأعجام في تلك الأيام سبعة ملوك عظام وهم(خرمند)( و علي شاه )( و الصتصيل )( والمغل )( و بندر )( و النعمان).

ولما نزلت بنو هلال في ذلك المكان أطلقوا مواشيهم في المراعي فأكلت العشب والأشجار والبساتين والأثمار، وبعد أن أخذوا الراحة أمنوا نوائب رجع الأمير حسن والقاضي بدير إلى نجد مع بعض الاجناد لتحديد البلاد، وبرجوع الامير حسن والقاضي بدير الى نجد، اجتمعت ملوك الاعجام عند الخرمند، وجعلوا يتداولون في امر نزول بني هلال في ذلك البر فقال الخرنمد، اعلموا ايها السادات ان بني هلال قدموا البلاد، وهم كل يوم في ازدياد فقال الراي عندنا ان نبادرهم بالقتال ونسبي حريمهم والعيال وننهب نوقهم والجمال قبل ان تكثر جموعهم وتصل اذيتهم الينا. وكان المك النعمان حاضرا في الديوان، فصعب عليه ذلك الأمر لأن أصله من بلاد العرب، فقال للملك الخرمند إن كان لا بد من حرب مع بني هلال طمعا بالغنائم والأموال فأرسل أطلب عشر المال، فإن امتثلوا أمرك تكون قد بلغت منهم المرغوب، وإن امتنعوا عنه فحينئذ تبادرهم بالقتال وتنهب أموالهم وتطفي آثارهم، فلما سمع منه هذا الخطاب رآه عين الصواب، فكتب إلى بني هلال يطلب منهم عشر المال أو يرحلوا من بلاده، ثم طوى الكتاب وأعطاه للنجاب وأمره أن يسير إلى بنى هلال ويدفع الكتاب إلى نائب السلطان، ويرجع إليه من غير تولن، فامتثل النجاب أمره وسار حتى وصل تلك الديار، فدخل على أبي زيد وأعطاه الكتاب وطلب منه الجواب، فلما فتحه وقرأه مزقه ورماه وكتب إلى الخرمند يهدده بقصيدة شعرية.
ولما وقف الخرمند على هذا الشعر والنظام، صار الضياء في عينيه كالظلام، وقال هل يبلغ من قدر بني هلال أن يخاطبوني بمثل هذا المقال وأنا ملك العجم، وذكري في جميع الأمم؟؟ ثن أنه استدعى قواد العساكر ومن يعتمد عليهم في الحروب والمخاطر، وأمرهم أن يستعدوا للقتال ويجهزوا الفرسان والأبطال، فاجتمع خمسمائة ألف عنان، وأرسل إلى بلاد خراسان تمده بالجيوش والعساكر. ثم ركب في ثاني الأيام للحرب والصدام، ولما بلغ أبو زيد هذا الخبر ركب في جموع بني هلال واشتبك بين الفريقين القتال، فقتل من العرب والعجم من قتل، إلى أن مات غنيم البطل، وأخذوا مارية سبية، فلما سمع أبو زيد هذا الخبر طار من عينيه الشرر، فكتب إلىة الأمير دياب يعلمه بواقعة الحال ويطلب منه المعونة في القتال، وأرسل الكتاب مع عشرة أبطال.

فلما وصل الكتاب إلى الأمير دياب وقف على ما تضمنه من الخطاب فامتنع عن الحضور وقال هو أولى بحماية الجمهور، فلما وقف إلى الأمير حسن بن سرحان والقاضي بدير يعلمهم بما جرى بينه وبين الأعاجم.

فلما فرغ الأمير أبو زيد من الكتاب سلمه للنجاب وأمره أن يجد مسيره إلى بلاد نجد ويسلمه إلى الأمير حسن ويرجع بالجواب.


( قال الراوي ):

ومن الإتفاق الغريب أن القاضي بدير رأى تلك الليلة حلما هو أنه كان قابضا على حمامة بيضاء وإذا بعقاب أسود قد هبط من الجو فخطفها وطار، فاستيقظ من المنام وهو في قلق عظيم وسار عند الأمير حسن وقص عليه الرؤيا. فقال:
يا ابن العم ان هذا الحلم يدل على ضيق وغم، وان ابنتك مارية قد خطفها الأعجام، فلما سمع هذا الكلام صار الضيا في عينيه كالظلام وقال مادام الأمر كذلك فيجب أن نركب حالا ونجد في قطع القفار ونكشف خبر قومنا في تلك الديار، فأجابه الأمير حسن إلى هذا المرام وركبا ومعهما فرسان الصدام قاصدين بني هلال، ولكنهما لم يصادفا النجاب الذي أخذ الكتاب، وعند وصولهما بالعساكر والأبطال إلى أول نجوع بني هلال رأيا العبد سعيد، فسأله القاضي عن الأحوال فقال لقد تغلب علينا الأعجام، وسبوا مارية، فقال القاضي خيّبك الله على هذه البشارة، ثم مرا على الأمير دياب فطلب منهما أن ينزلا عنده، فأبى حسن وقال له علامك يا أمير ما ركبت مع أبي زيد على قالت الأعجام، أتسبى العيال وتنهب الجمال وأنت جالس في الخيام بدون فكر ولا اهتمام؟! قال الذي منعني يا ملك الزمان هو الخوف من هجوم العدا إلى هذا المكان فتنهب الأغنام، ثم ركب دياب مع القاضي والأمير حسن وركبت معه الأبطال والفرسان، وما زالوا يجدون السير عند أبي زيد، فالتقاهم بالتعظيم والاحترام وذبح لهم الأغنام فامتنع الأمير حسن عن الأكل وهو مغتاظ زعلان، فسأله أبو زيد عن سبب ذلك فقال إني مغتاظ لفقد مارية من بين يديك فأجابه أبو زيد يقول:

يقول أبو زيد الهلالي سلامة
بدمع جرى من مقلة العين نابع
ياأبو علي إسمع كلامي وافهمه
وأنت يا قاضي فكن لقولي سامع
أتونا بوي الأعجام من كل جانب
سبعة ملوك من غير التوابع
فصحنا عليهم هاجمين بقوة
قتلنا منهم ألفين ماعدا التوابع
فكانت فتاة الحي مارية المها
غدت فعاد القوم فيها طوامع
جفل بكرها فيها وأنا مارأيتها
وقلبي لأجل مارية عاد واجع
ونادت بعال الصوت يا آل عامر
وتومي بأيديها وتلوي الأصابع
أتى نحوها المدعو غنيم بن مفلح
وقاتلهم بقلب شديد وسط المعامع
طهنه الملك صنصيل بالرمح صبابة
بحربة نورها كالشمس ساطع
وحال ظلام الليل بيني وبينهم
وعاد العجم بعد هذه الوقائع
وحق الله والبيت والحجر
فلا بد لي من حربهم أن أسارع
ولابد أن أجيب المارية
وأهدم الكوفة وأرتد راجع



فلما فرغ الأمير أبو زيد من كلامه قال له الأمير دياب، والله يا أبا زيد لو كنت حاضرا قتال الأعجام، ما كنت تركتهم يسبون المارية ويسطون على الحريم، بل كنت قاتلت اشد قتال أو أموت موت الأبطال، فلما سمع أبو زيد ذلك الكلام قال له صدقت يا أمير دياب وبما أنك قادر على كسر الأعجام فلماذا لم تحضر إلى الميدان عندما أرسلت خلفك عشرة فرسان لتحارب معي الأعجام وحينئذ ترينا شجاعتك في معركة الصدام.


( قال الراوي ):

أما الأعجام فإنهم لما رجعوا إلى أوطانهم تنازع ملوكهم على المارية بنت القاضي بدير، وكان كل واحد يريد أن يأخذها لنفسه وذلك لما فيها من الحسن والجمال والبهاء والكمال، فاتفق رأيهم على إعطائها للشاه خرمند، وأنهم يركبون على بني هلال مرة ثانية وكل من يكسب إمرأة تكون له، وفي ثاني يوم ركبت الأعجام على بني هلال فركب الأمير حسن واستقبلهم في ساحة الميدان، ما عدا أبو زيد، فإنه لم يركب معهم لقتال القوم وجعل نفسه مريضا في ذلك اليوم، ولما نشب القتال وعظمت بين الفريقين الأهوال هجمت الأعجام على بني هلال مثل أسود الآجام، وقاتلت أشد قتال وجعلت ترميهم بالنشاب وتطعنهم بالحراب، فلما رأت بنو هلال تلك الأحوالوهجوم العجم عليها من اليمين والشمال ارتدوا إلى الخلف وانهزموا، وتبعهم فرسان العجم حتى دخلوا إلى الخيام وبدأو ينهبون البيوت ويسبون النساء والبنات، فارتفع البكاء والنواح وزادوا في الصياح، فلما سمع أبو زيد النساء والبنات، عويل النساء والأصوات هجم مع الفرسان والأبطال بالسيوف والرماح فالتقى بعسكر الأعجام وحكم برقابهم ضرب الحسام، فردهم عن المال والحريم، فارتدوا منهزمين إلى الكوفة وقومه وراهم مثل الشواهين إلى أن بلغ منهم المراد وقتل عددا كثيرا من الأجناد، ثم ارتد منتصرا فالتقاه الأمير حسن وشكره على تلك الفعال وقال له مثلك تكون الأبطال يا زينة الرجال فلولاك لكنا في أسوأ حال وصرنا بين سائر العربان على طول الزمان، وكذلك القاضي بدير أثنى عليه وكان متأسفا على فقد ابنته مارية، فقال له أبو زيد لابد لي من خلاص ابنتك أيها القاضي الجليل وأشفي من عساكر العجم الغليل، ثم أن أبا زيد صبر إلى وقت الظلام وتزيا بزي الأعجام وسار إلى مدينة الكوفة وفي صحبته عبده أبو القمصان وبدر بن غانم، وعند وصولهم أليها وجدوا أبوابها مغلقة فدار أبو زيد من جميع الجهات فلم يجد منفذا، فبينما هو يتفرج ويتأمل رأى دهليزا صغيرا فنزل فيه فأوصله إلى البلد فترك رفيقه بإنتظاره، وأخذ يطوف من زقاق إلى زقاق يجول بين الحارات والأسواق، ويقف على الأخبار، وكان كلما نظر إليه إنسان يكلمه في لغة الأعجام، ورأى بناء عظيم البنيان ذا أربعة عمدان وفوقه قصر جميل الهندام من الرخام وشبابيكه مصفحة من الذهب، وإذا به يسمع آلات الطرب، فقال أبو زيد في نفسه هذا الملك خرمند لا محال لما عليه من الهيبة والجمال، ورأى شجرة من السرو وأصلة أغصانها لشباك القصر، فصعد عليها حتى وصل إلى أغصانها، ولما صار عند الشباك وجه نظره إلى تلك الغرفة، فوجدها من أحسن الغرف مزينة بالفرش الفاخر، ووجد سبعة ملوك من العجم جالسين على كراس من الذهب ومارية جالسة بينهم كأنها القمر، وكانت ملوك الأعجام تشرب المدام والمغاني تغني لهم بأنواع الأنغام، فقدم الخرمند إلى ماريا كاسا وقال لها خذي وإشربي يا بنت الكرام وغني حتى يزيد إنشراحنا ويكمل سرورنا، فامتنعت عن الشراب وزادت في البكاء والإنتحاب، فتأثر الملك النعمان ونهض من وسط الديوان، وكان الملك خرمند متزوجا بابنته هند، فقال دعوها ولا تكلموها فانها من بيت كبير وأبوها قاض وأمير، ولكن الغناء ليس فيه عيب، ثم التمس منها أن تغني فلما سمعت هذا الكلام أشارت تغني قصيدة مطلعها:

تقول فتاة الحي مارية من المها
فنار الضنى والشوق يكوي ضميرها





( قال الراوي ):

فطربت ملوك الأعجام وشرب خرمند كأس المدام، ثم أعطاه إلى الساقي وقال له:
املأ كأس المدام وناوله إلى مارية بدر التمام حتى تفرح وتطرب ويزول عنها الحزن والكرب، فخجلت مارية وقالت للنعمان أني لاأشرب من هذا الشراب لأنك تعلم أيها السيد بأن مشروبنا هو حليب النوق والغنم ولانشرب غيره من المشروبات، فإن ذلك عندنا من أعظم العار. فاعتذر النعمان عنها إلى خرمند وقال له اعفها من هذا الكأس لأنها غير معتادة، فتناول الخرمند الكأس وتذكر حسنها وجمالها وشربه حتى الثمالة، أما الساقي فراح ينشد بدوره.

فلما فرغ من إنشاده قال له الخرمند أحسنت بما فعلت. فعند ذلك نهض النعمان وأراد أن يأخذ المارية إلى بيته، فاعترضه الصنصيل وقال أني كسوتها بالثياب الفاخرة والحلل الباهرة، وأنا أحق بها من كل أحد، فقال له النعمان أن لاأمكنك من ذلك حتى نرى كيف ينتهي الحال بيننا وبين بني هلال، وأنا من رأيي أن نطلق سبيلها فتذهب إلى أهلها خوفا من القيل والقال، فقال الصنصيل هذا لا يكون وأنا مرادي أن أنشد الشعر وه تجيبيني عليه ولا نريد منها غير ذلك، ثم أشار يقول:


قال الملك صنصيل يا مارية غني لي
وارفعي المنديل عن وجنتك الحمرا
يا مارية بحياتك قومي اشربي كاساتك
وبيني شاماتك وريقك زي الخمرا
قومي تعالي لقربي لأذوقك من شربي
وقربي لجنبي حتى تطيب السكرا
صنصيل قلل كلامك بنت العرب قدامك
إذا يصير هزامك من سباع القفرا
يامارية ارتدي برجالك لاتعتدي
بالحرب ماهم قدي إذا دمهم يجري
غدا يجيك سلامة أسمر طويل القامة سيفه يزيل الهامة
في كل ضرب عشرا سلامي ذاك راحي
إن أتى لكفاحي أقتله فوق الصخرا
إذا يجيك الغالي أمير بتخته عالي
حسن كبير هلالي قومه كموج البحر





( قال الراوي ):

وكانت جالسة أخت الملك خرمند، وكان اسمها تاج بخت، فلما سمعت أن مارية هانت عمهاالصنصيل في شعرها، لطمتها بين عينيها فآلمتها وسال الدم من جبينها، فلما شاهد أبو زيد تلك الحال غضب ولولا وجود الحديد بالشباك لدخل عليهم وأورثهم الدمار وأما الملك النعمان فإنه استعظم الأمر ونهض على الأقدام وسل بكفه الحسام وجعل يتوعد.

ولما فرغ النعمان من هذا الكلام وسمعته ملوك الأعجام، خافوا من الشرور وعواقب الأمور، فقال خرمند للنعمان خذ مارية إلى عندك هذه الليلة، لأنه يخشى من تواليها، فمتى ظفرنا بهؤلاء العرب فحينئذ نبلغ منها الأرب، فعند ذلك قال لها النعمان تعالي أيتها الأميرة إلى بيتي، فسارت معه ولم يعترض أحد بالكلام، فلما شاهد أبو زيد أفعال النعمان شكره في قلبه وقال إن هذا الرجل يستحق كل جميل، ثم نزل من أعلى الشجرة وتبع آثار النعمان حتى وصل إلى منزله فسمعه يقول لإبنته، خذي هذه الأميرة وافرشي لها غرفتك فإنها من بيت شريف، فترحبت بها وأكرمتها، ثم رجع النعمان ليصرف باقي ليلته عند الأعجام، ورجع أبو زيد لبني هلال، وعند وصوله إلى الخيام سمع أصوات البكاء والنواح لأنهم كانوا يظنون بأنه مات، فلما دخل على الأمير حسن وسلم عليه، فنهض وشكر الله على سلامته وكذلك فعلت باقي السادات، وسأله القاضي بدير عن المارية ابنته فأجابه يقول:

يقول أبو زيد الهلالي سلامة
الأيام والدنيا تسبب هوايل
وصلت إلى حلة الأعجام بلابطا
فدرت ميامنها ودرت الشمايل
إلى أن نظرت المارية في عيني
فقولي صحيح ليس فيه زلايل
في قصر خرمند يا قوم جالسة
ملوك العجم من حولها كالجمايل
والطاس داير والجنك والغنا
والنعمان بينهم وهوشهم فاضل
يمر عليها الكاس ما تذوقه
فتحسه مثل سم القواتل
فكانت تنادي الصوت يا آل عامر
وتضرب بأيدها يمين وشمايل
فقام الملك النعمان أتى بها
فخلصها منهم بضرب هائل
وأخذها في الحال إلى دار بنته
وأوصى بها بنته وكل الأهايل
فإن عانني الرحمن ربي أجيبها
وأهدم الكوفة ووحدي أقاتل



( قال الراوي ):
فلما فرغ الأمير أبو زيد من كلامه وسمع الحاضرون فحوى شعره ونظامه، قال الأمير حسن مرادي الآن أكتب كتابا إلى ملوك الأعجام وأطلب من الخرمند أن يرسل المارية الآن عند الملك النعمان، فماذا تقول في ذلك؟ فقال أبو زيد لابأس، فلعلهم يتأثرون من كتابك ويرسلونها، فعند ذلك كتب يقول:

قال الفتى حسن الهلالي أو علي
النار في قلبي تهب وتشتعل
يا ملك خرمند اسمع قصتي
أبعث لنا المارية ولاتتمهل
انك ان أرسلتها لبيوتنا
فترى العساكر ودياب ترحل
حتى اذا خالفت في ارسالها
نهجم عليكم في الصباح وتقتل



فلما فرغ الأمير حسن من هذا الشعر والنظام، أرسله من نجاب ليعطيه إلى الملك ويأتيه بالجواب، فامتثل حتى وصل إلى الملك الخرمند وسلمه الكتاب، ففتحه وقرأه ولما عرف معناه مزقه في الحال وأمر العساكر أن تستعد للقتال، وخرج بجيوش الأعجام لقتال بني هلال وكان نجاب السلطان حسن قد أوصل هذا الخبر لبني هلال، فاستعدوا للحرب وفي أوائلهم الأمير أبو زيد والأمير دياب وغيرهم من الفرسان والتقوا بالأعجام، قاتلوا أشد قتال وفعل أبو زيد أفعالا تشيب الأطفال، ولله در الأمير دياب! فإنه قاتل في ذلك اليوم حتى وصل إلى الملك القمقام وضربه بالسيف على عاتقه خرج يلمع من علائقه ثم مال على القوم وقتل منهم عدة رجال.

فلما رأت عساكر الأعجام تلك الأحوال ارتدوا راجعين في تلك الصحراء وقطع دياب رأس القمقام وسار به إلى الأمير حسن وباقي السادات وألقاه أمامهم فشكروه ثم رجع بنو هلال بالعز والانتصار، وكان أول من برز إلى القتال أبو زيد الفارس المفضال، فبرز إليه الملك المنذر فالتقاه أبو زيد وانطبق عليه كسبع الآجام، ولم تكن ساعة من الزمن حتى ضربه أبو زيد بالسيف على هامة قده نصفين فوقع على الأرض يتخبط بعضه ببعض.

فبرز أخوه الأمير بندر ليأخذ بثأر أخيه فالتقاه أبو زيد بقلب كالحديد، ثم هجم عليه وضربه بالسيف فالحقه بأخيه، فهجمت الأعجام فالتقتهم بنو هلال وحكمت فيهم ضرب السيوف، وقتلت منهم عشرة آلاف من صناديد الأبطال، فانهزمت إلى ورائها وفي اليوم الثاني دقت الأعجام طبولها وركبت خيولها وبرزت إلى القتال طالبة أخذ الثأر فبرز إلى الميدان الأمير أبو زيد فبرز إليه المغل وأخذا يتضاربان ويتطاعنان، وكان المغل المذكرو من أفرس الفرسان قوي الجنان، فقاتل أبو زيد أشد قتال وضربه ضربة صامدة فاستلقاها أبو زيد في الترس فقطعته نصفين، ونزلت على رقبة الجواد فأبرتها كما يبري الكاتب القلم، فوقع أبو زيد على الأرض فأراد المغل أن يكمل عليه فبادر إليه الأمير دياب وخلصه، وفي الحال أتوه بجواد فركبه وهجم هو ودياب على صفوف الأعجام وتبعهم باقي أبطال بني هلال من اليمين والشمال، وكانت موقعة مهولة قتل فيها خلايق كثيرة وكان من جملة المقتولين المغل وغيره من سادات العجم والمقدمين، وانهزمت العجم أقبح هزيمة وثبت الملك الصنصيل وهو راكب على جواد فبرز إليه دياب وهو راكب على الخضرا، فالتقاه الصنصيل واشتد بين الفارسين القتال وعظمت الأهوال، وما زالا على تلك الحال إلى وقت الظهر، وكان الصنصيل قد اعتراه التعب فولى وطلب لنفسه الهرب، فلما رأت عساكر العجم بأن سيدها قد انهزم، خافت من العواقب فارتدت إلى الحلة فدخلت إليها وأغلقت الأبواب، فجمع الملك خرمند ملوك قومه وقال لهم مرادي إذا أن أخرج إلى قتال بني هلال فأريد أن تهجموا وتقاتلوا وإلا صرنا معيرة وفضيحة عند الملوك، فوعدوه بأنهم سيبذلون غاية المجهود ويقاتلون قتال الأسود، ولما أصبح الصباح ركب الملك خرمند وجيوشه وخرج يريد القتال فالتقاه في الحال جميع الفرسان والأبطال وتقاتل الجمعان، فالتقى أبو زيد بالملك الخرمند فتطاعنا بالرماح وبالسيوف، وما زالا على تلك الحال من الصباح إلى وقت الزوال، ولم يقدر أحد على خصمه فافترقا عن بعضهما البعض وبات كل فريق في ناحية من الأرض.

وفي الصباح برز الملك الخرمند إلى معركة الكفاح وطلب أن يبرز له السلطان حسن فبرز إليه السلطان حسن وقال له أيها الملك إذا أرت أن تنتهي الحرب بيننا فرد لنا المارية حتى ننهي الحرب ونرحل عن بلادكم في الحال، فقال لله كيف أسلمكم المارية وقد قتل أكثر أبطالنا من أجلها، ولكن دونك والقتال وحمل عليه فالتقاه السلطان حسن بهمة وحمية واشتبك بينهما القتال، وكان السلطان حسن أبرع من الخرمند، فلاصقه وضايقه وضربه بالسيف على رأسه شقه إلى تكة لباسه، فلما قتل الخرمند ولت الأعجام وطلبت الفرار، فتبعتها بنو هلال وحكمت فيها السيوف، فلما نظر الملك النعمان ما حل بالأعجام من الذل والهوان، سار إلى السلطان حسن وسلمه المفاتيح وطلب منه أن يكفوا عن القتال فأجابه إلى طلبه، وأمر بوقف القتال فاجتمع الأمراء عند السلطان حسن ورحبوا بالملك النعمان، فسار بهم إلى الحلة وأدخلهم قصر الخرمند فرأوا به الشيء الكثير من التحف الثمينة، فجمعها السلطان حسن ونقلها إلى المضارب والخيام، ثم دخلوا إلى قصر النعمان فوجدوا فيه المارية معززة مكرمة فأخذوها باحتفال عظيم، ثم نادى السلطان حسن بالأعجام وقال لهم لقد أقمت عليكم الملك النعمان وهو ملك عادل فأطيعوه ولا تخالفوه لأنه نائبي في هذه البلاد وسيدفع لنا الجزية في كل عام، فقالوا سمعا وطاعة أيها الملك العظيم.













عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:34 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

الجزء الخامس من قصة الملك الغضبان





( قال الراوي ):

كان حاكم بلاد التركمان رجل عظيم الشأن إسمه( الغطريف ) ويلقب بالغضبان، وله عدة وزراء وأعوان ومن جملتهم الوزير النعمان، وهو صاحب معرفة وتدبير في أمور السياسة خبير، وله ابن أخت وكان ولي عده ونائبه نمر الجارح. وكان الملك الغضبان يركن إليه، ولما وصلت جموع بني هلال وخيمت في تلك الأطلال وبلغ الغضبان هذا الخبر تطاير من عينيه الشرر، فاجتمع بوزرائه وباقي الأعوان وعقد معهم مجلسا في هذا الشأن، فقال له الوزير النعان الرأي عندي أن ترسل لملكهم تطلب منه المال، فأجاب الملك أن أرسل الطلب بلغنا القصد والأرب، وان أبى وامتنع ركبنا عليه بكل فارس صميدع، فننهب أموالهم ونسبي حريمهم وعيالهم ونقتل شبابهم ورجالهم، فاستحسن الغضبان هذا الرأي وكتب اليهم بمعناه.

ثم ختم الرسالة وسلمها إلى عبده رشيد وأمر أن يسير بدون إمهال ويسلمها إلى الأمير حسن سيد بني هلال، فامتثل أمره وركب على ناقة وسار حتى أشرف إلى نجع بني هلال، فنزل من على ناقته ودخل على الأمير حسن فسلم عليه وقبل يديه ثم ناوله الكتاب ووقف ينتظر الجواب، فلما فتحه وقرأه واطلع على ما حواه انسغل باله وتغيرت أحواله، فقال له أبو زيد علامك يا أمير حسن فإني أراك في غم وتكدير، فناوله الكتاب فلما قرأ الكتاب قال أنا أرد الجواب.

ثم طوى الكتاب وأعطاه إلى الحاجب، فأخذه وجد حتى وصل إلى مولاه وأعطاه الكتاب فلما فتحه وعرف فحواه مزقه ورماه، واغتاظ الغيظ الشديد، وفي الحال أمر ابن أخته ووزيره نمر الجارح وابن عمه النعمان، أن يجمعا العساكر والأبطال لمحاربة بني هلال، فدقت طبول الحرب واجتمعت العساكر من كل جهة ومكان، وكانوا نحو مائة ألف بطل فركبوا بالعجل وهم معتقلون بالسلاح وفي أيديهم الرماح، وركب نمر الجارح في مقدمة العساكر وجدوا بالمسير قاصدين بني هلال، فلما علمت بنو هلال بقدومهم، استعدوا لحربهم فدقوا طبولهم بالعجل، فاجتمع الفرسان ودخلوا على أميرهم حسن، وهو جالس في الديوان وأعلموه بما جرى فأمرهم أن يسيروا للقتال، فركبوا وفي مقدمتهم الأمير أبو زيد فالتقت العساكر ببعضها البعض، وهجمت بنو هلال بقلوب كالصوان، وانقضوا على عساكر الغضبان، فاشتد القتال وفعل أبو زيد في ذلك النهار فعالا تذكر على مدى الإعصار، وكذلك فعل الأمير دياب وباقي الفرسان، فانهم ثبتوا وقاتلوا وما قصروا، وكان الأمير دياب قد التقى بالأمير نمر الجارح وهو ينخى رجاله، فتقدم دياب يريد قتاله، فصدمه نمر في الحال بقلب أقوى من الصوان واشتد بينهما القتال، وكان نمر قد طعن خصمه بالسنان وقال خذها من يد فارس الفرسان، فغطس دياب تحت بطن الخضرا فأخطأته الضربة، وهجم على خصمه هجوم القضاء المنزل وضربه بالدبوس على الخوذة فتألم وارتد راجعا الى الوراء وندم على ما جرى، وفي الحال هجمت بنو هلال على الأعداء من اليمين والشمال وأذاقوهم الأهوال وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وكان النهار قد مضى وزال وأقبل الليل بالإنسدال، فانفصلت العساكر عن بعضها البعض ونزلت كل طائفة في ناحية من الأرض.

ورجع الأمير دياب من ساحة الميدان ودخل على الأمير حسن وهو فرحان فالتقاه بالبشاشة والإكرام، وقال له كيف وجدت خصمك نمر الجارح، أجاب إذا أقصر عمره وأكفيك شره، فشكره على ذلك وباتوا على أحسن حال، أما عساكر الغضبان فإنهم رجعوا من ساحة الميدان وهم في قلق واضطراب من قتال أبي زيد ودياب، وكان نمر قد جمع الأمراء والسادات وأخذ يستشيرهم في أمر الحرب عليه بطلب النجدة من عمه الملك الغضبان فاستصوب رأيهم وفي الحال كتب إلى خاله يعلمه بواقعة أحواله ويطلب منه المعونة.

وطوى الكتاب وختمه وسلمه إلى نجاب يقال له عقاب، فأخذه وجد في قطع البراري والقيعان حتى وصل إلى الملك الغضبان، فدخل عليه وقبل الأرض بين قدميه، ثم ناوله الكتاب فلما فتحه وقرأه، اغتاظ وتأثر وتطاير من عينيه الشرر، وأقس أنه لابد أن يفني بني هلال ولا يبقي أحدا منهم، ثم أمر بجمع العساكر والفرسان فركبت خيولها واعتقلت بسيوفها ونصولها، وركب أيضا الضرغام أخو نمر ووزيره النعمان وقصدوا بني هلال بقلوب كالجبال، وجدوا في البراري وكان عدد الفرسان خمسمائة ألف عنان. هذا ما كان هؤلاء، وأما ما كان من نمر الجارح فإنه بعد إيفاد الرسول لخاله، ركب ثاني الأيام بجميع فرسانه وأبطاله، وتقدم نحو بني هلال فتقابل الفريقان في ساحة الميدان، وتقدم الأمير نمر إلى معركة الطعان فالتقاه الأمير دياب وهجم عليه كليث الغاب واشتبك بينهما الحرب وأخذا في الطعن والضرب، فلله درهما من بطلين وفارسين عظيمين!

أما دياب فكان أشجع من نمر وأقدر من وأعلم منه بمواقع الطعن، وأخيرا طعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره، فوقع على الأرض قتيلا وأيقن قومه بالهلاك والدمار، وطلبوا الهزيمة والفرار، وتبعهم بنو هلال وقتلوا منهم عددا كثيرا، وبينما هم سائرون وفي الفلاة مشتتون، إذا بغبار قد ظهر عليهم ومن خلفه الجيوش والعساكر، فلما اقتربوا منهم وتأملوهم فاذا هم عساكر الغضبان، وكانوا قد خضروا لمعونة نمر فلما رأت العساكر المنهزمة ملكها الغضبان، تقدموا إليه وقبلوا يديه، وأعلموه بما حل فيهم من المصائب، وكيف أن بني هلال قتلت نمر الجارح، فلما سمع الملك الغضبان منهم هذا الكلام خرج عن دائرة الصواب فشخر ونخر وطغى وتجبر، وقال وحق ديني ومعبودي لابد من قتال بني هلال والتقتها بنو هلال تتقدمها السادات والأعيان، والأمير حسن بن سرحان، واشتبك الطعان بين الفرسان والتقى الضرغام بالأمير حسن وهو ينخى العساكر، فالتقاه الأمير بقلب أقوى من الصوان واخذا يتضاربان نحو ساعة من الزمان، وكان الامير حسن قد طعن ضرغام قاصدا أن يسقيه كأس الحمام فاختفى تحت بطن الجواد فراحت خائبة، ثم اعتلى الضرغام على ظهر حصانه وطعن الامير حسن فالتقاه بترس البولاد، وما زالا في عراك وصدام الى ان دقت طبول الانفصال، ورجعت العساكر من ساحة القتال، وفي الصباح ركبت العساكر الفرسان ظهور الخيول وتقدمت الى ساحة الميدان، فتقدم الامير ضرغام وطلب المبارزة والصدام، فبرز اليه الامير عقل وهجم عليه بقلب شديد، فالتقاه بقوة واخذا في الحرب فاشتد بينهما القتال مدة اربع ساعات، وكان الامير عقل قد استظهرعلى خصمه وطعنه بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره، فوقع الضرغام قتيلا وفي دماه جديلا، فلما نظر الغضبان ما جرى استعظم الامر وهجم على عقل وطعنه بالرمح ليعدمه الحياة فخلى منها عقل فراحت خائبة، وما زالا في قتال الى قرب الزوال، فرجعت بنو هلال في السرور والافراح، وعساكر الغضبان بالهم والاتراح، واخذوا جثة الضرغام واقاموا عليها النواح ثم كفنوه ودفنوه، ولما اصبح الصباح ركبت بنو هلال للحرب والكفاح،فالتقتها الاعداء وصاح الغضبان اين الشجعان اين جبابرة الضرب والطعان؟ فما اتم كلامه حتى صار الامير دياب امامه وصدمه صدمة ترتعد منها قلوب الفرسان، فالتقاه الغضبان وضربه بالسيف فالتقاه دياب بدرعة البولاد فانكسر السيف فأعطاه قومه غيره.

واشتد بينهما الحرب والكفاح الى ان اختلف بين الاثنين ضربتان قاطعتان وكان السابق الملك الغضبان،وقال له خذها من يد فارس الميدان وليث المعارك والطعان، فغطس دياب تحت بطن الخضرا راحت الضربة خائبة، وما زالوا على ذلك وهم في اشد حرب الى قرب لمساء، فدقت طبول الانفصال فرجعت الفرسان من ساحة الميدان وباتوا يتحارسون تحت مشئية الرحمن، وعند الصباح برز الغضبان الى ساحة الكفاح وطلب مبارزة الفرسان فبرز اليه ابو زيد ليث الميدان. واقتتلا طول النهار وفعلا افعالا تذهل الابصار، ثم افترقا على سلام الى المضارب والخيام، واستمر القتال بين عساكر الغضبان وبني هلال ستة عشر يوما وقد قتل من عسكر الغضبان عشرون الف فارس ومن بني هلال خمسة الاف فارس، ثم استعدت العساكر للقتال فدقت طبول الحرب وتقدمت الفرسان للطعن والضرب، فبرز الى الميدان الملك الغضبان، وقال هل من مبارز هل من مناجز؟ فلا يبرز لي كسلان ولا عاجز اليوم يوم الهزاهز، فما تام كلامه حتى صار ابو زيد قدامه فالتقاه الغضبان بقلب شديد وأخذ معه في عراك وصدام.

فلما رأى أبو زيد قوة حربه تأخر عنه فعند ذلك صاح الغضبان على الفرسان بالهجوم على بني هلال. وكانت بني هلال قد قصرت في القتال، فتأخرت الى الوراء وعساكر الغضبان تتبعهم في تلك الصحراء وبعدها اجتمع ابو زيد بسادات بني هلال وقال لهم قد ساءت احوالنا وفقدت ابطالنا ورجالنا فما هو رأيكم ايها الاعيان في قتل الملك الغضبان؟ فقالوا الرأي عندك يا أمير فما فينا من يخالفك، فقال الرأي عندي نكون اربع فرق ونهجم على الاعداء من اربع جهات نسد عليهم جميع الطرق، وتكون الجازية في اول العماريات مع باقي النساء والبنات واهجم انا من جهة الشمال والامير زيدان والامير حسن والقاضي بدير من بقية الجهات بباقي الابطال، ونقاتلهم اشد قتال والا حل بنا الوبال، فاستصوبوا رأيه لانهم رأوه عين الصواب.

ولما اصبح الصباح ركبت الفرسان للحرب والكفاح وانقسمت بنو هلال اربع فرق، وكان السابق بفرقته الامير دياب فصاح على الفرسان وحكم سيفه بالرقاب وتبعه أخوه زيدان بكل الفرسان بقلوب أقوى من الصوان، وجندلوا الابطال في ساحة الميدان، ولما رأى الغضبان ما حل بقومه من الهوان استعظم ذلك الشأن فجعل ينخي الابطال وتقدم بنفسه وقد هانت عليه المنية وضرب فيهم بالحسام وتبعه الفرسان من خلف وقدام، فثبت الشجاع وفر الجبان، واذا بجيوش وعساكر الامير حسن بن سرحان راكب ببني دريد وابو زيد ببني زحلان والقاضي بدير بباقي الرجال والشجعان، ومن حوله السادات بالبياق والرايات، فهجموا على عساكر الغضبان من كل جهة ومكان، واشتد قلب دياب بقدوم القوم وامل بالنصر فقاتل اشد قتال، وهكذا فعات بنو هلال وكان يوما شديدا لم يسمع مثله في سالف الاجيال، وكان الملك الغضبان قد برز الى الامير دياب وهو غائب عن الصواب، ودياب يدور حوله مثل ادولاب وهو ثابت على الحرب والجلاد كأنه طود من الاطواد، فعند ذلك تقدم الامير حسن والامير زيد وهجموا هجمة رجل واحد على الغضبان وبهذه الفعال هان على دياب القتال، فقوم السنان وقال له خذ هذه الطعنة من يد الامير دياب وطعنه بالرمح في صدره. وتحمس دياب ومال على الابطال ففرقها على اليمين والشمال، وتبعه بنو زغبي الشجعان وبنو زحلان وهجموا على عساكر الغضبان بقلب اقوى من الصوان، وكانت عساكر الغضبان لما رأت ملكها قد مات حلت بها الآفات وضعفت عزيمتها وايقنت بالهلاك والبوار فولوا الادبار الى الهزيمة والفرار، فتبعتهم فرسان بني هلال وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وكسبوا غنائم ذات قدر وقيمة، وكانوا قد تبعوهم الى البلد ونهبوا الاموال وسبوا الحريم والعيال، وبعد ذلك رجعوا الى الخيام ثم حضر ابن الملك الغضبان، وكان اسمه عبد المدان، الى عند الامير حسن بن سرحان وبمعيته الاكابر والاعيان، وطلبوا منه الامان فاجابهم الى ذلك الشأن وعاملهم باللطف والاحسان، وبعد ذلك ولوا الامير عبد المدان حاكما على تلك الاوطان مكان ابيه، وقامت بنو هلال في الاوطان خمسة ايام ثم دقت طبول الحرب الى الارتحال، حتى وصلوا الى بلاد العراق ولما وصلوا اليها وجدوا ان الحاكم على تلك البلاد رجل من الاجواد قد اتصف بالجود والكرم والفضائل، يقال له الخفاجي عامر، يحكم على البصرة وبغداد والموصل والعراق، وكان عنده من الابطال والفرسان نحو مائتي الف عنان. فبينما هو جالس في الديوان وحوله الوزراء والاعيان، اذ دخلت عليه الرعيان وقالوا له اعلم يا ملك الزمان ان بني هلال قد دخلت ديارنا وأكلت ثمار بساتيننا، وقد هربت من امامهم الرعيان وتركت النوق والفصلان. فلما سمع الخفاجي هذا الكلام صار الضياء في عينيه كالظلام، والتفت الى الامراء وقال لهم ما قولكم في بني هلال؟ فعند ذلك تقدم الوزير عميرة واشار عليه مشورة.


( قال الراوي ):

فلما فرغ الوزير من الكلام قال الخفاجي هذا هو الصواب والامر الذي لايعاب، ثم كتب الى الامير حسن يطلب عشر المال والنوق والجمال والبنات الابكار، وطوى الكتاب وختمه واعطاه لوزيره سلام ليأخذه الى الامير حسن، فأخذه وجد حتى وصل الى نجوع بني هلال، فدخل على الامير حسن وناوله الكتاب، فلما قرأه وعرف فحواه اغتاظ من ذلك التهديد وخاف من عواقب الامور ثم انه امر بأخذ الوزير الى دار الضيافة ثم قال الرواي ما الرأي والشور ايها السادة؟ قالوا الرأي عندك فافعل ما تريد.

فقال مرادي ان ارسل له كتابا ينطوي على المودة وانتظر الجواب فقال الجميع هذا هو الصواب، فعند ذلك كتب الامير حسن شعرا واعطاه الى الوزير سلام فأخذه وسار حتى اشرف على الخفاجي عامر، فأعطاه الكتاب ففتحه وقرأه وعرف فحواه، وراح يرحب بهم أجمل ترحيب، وكذلك شكره الامير حسن، فلما فرغ الامير حسن من كلامه، انشرح خاطر الخفاجي عامر وتقدم بعده الامير درغام واشار يترحب ببني هلال، ثم ركبت بنو هلال مطاياهم والخفاجي عامر ودخلوا البلد في فرح وسرور، وتفرقت عرب بني هلال في تلك الاراضي وأما الامير حسن والسادات فبقوا عند الخفاجي عامر على أكل طعام وشرب دام مدة ثلاثة شهور وهم على أحسن حال، فاتفق في بعض الايام ان الخفاجي أولم وليمة عظيمة دعى اليها الامير حسن وسادات بني هلال، وحضرتها النساء والبنات فأكلوا ولذوا وطربوا ودارت كاسات المدام على من حضر في ذلك المقام، وكانت البنات والنساء الحراير يشربن على اسم الخفاجي عامر، وكانت الجازية بديعة الجمال فصيحة المقال تقدمت الى الخفاجي عامر تصف له محاسن بنات بني هلال وما خصهن الله به من اللطف والكمال والظرف والجمال واشارت تقول:


تقول فتاة الحي ام محمد
ونيران قلبي زايدات اشعال
ان الامارا يا امير بناتهم
مثل االظبا في الحسن والاشكال
اما جمال الطعن بنت سلامة
الوجه منها مثل بدر قد مال
وبنت ابو موسى دياب الماجد
فعيونها يا امير كعين الغزال

وبنت قاضينا بدير الفايد
تشبه غزالا بالفلاة جفال
وبنت سلطان البوادي ابو علي
شبيهة البدر في بهاه وكمال
انظر لحسني يا امير فانني
اجمل والطف من نساء هلال



فلما فرغت الجازية من هذا الوصف شكرها الخفاجي على شعرها ونظامها ثم نهض الامير حسن وشكر الخفاجي على ذلك الاكرام وقال له، اريد من فضلك ان تشرفني غدا بجميع رجالك لاجل الطعام وشرب المدام، فاجابه الى ذلك فأولم الامير حسن وليمة عظيمة ذبح فيها الف رأس من الاغنام فكانت أعظم الولايم لم يسمع مثلها في الاعارب والاعاجم، حضر فيها الخفاجي عامر وقومه وسادات العشائر وجلسوا على مائدة الطعام ودارت بينهم كاسات المدام فطربت الامراء والسادات فعند ذلك بدأ الامير حسن والخفاجي يتبادلان التحية من جديد، ولما فرغ الخفاجي من الكلام أمر حسن بالرحيل فقال الخفاجي لا بد من مسيري معكم الى تونس، فلما سمع أبوه الضرغام منه هذا الكلام لم يهن عليه ذلك الامر، لانه ليس له صبر على فراقه ساعة واحدة، فلم يقبل الخفاجي وطلب من ابنته وزوجته ان يذهبا معه الى تلك الديار ويتركا الحي، فامتنعتا عن المسير وبكتا بدمع غزير ثم تقدمت ابنته ذؤابة واشارت تنهيه عن السفر وتقول:

تقول ذؤابة يا ابي لاتسافر
فتترك الاهل في عنا ومصاب
فما لك يا امير في الغرب حاجة
ولا لك بها مال ولا أسباب
ولا ثار لك عند الزناتي خليفة
ولا دم لك أيضا ولا أصحاب
فكيف تشتتنا وتطلب بعادنا
ونبقى ضايعين في عنا وحساب
وتبقى الهلاليين مجموع شملهم
ونحن بلا أهل ولا أصحاب


وبعد ذلك حضرت سادات العشائر لوداع الخفاجي عامر، فودعوه بالبكاء والنواح، ودعوا له بالتوفيق والنجاح، ثم امر المير حسن بدق طبل الرحيل، فعند ذلك هدت المضارب وركب الفرسان ظهور النجايب، واعتقلوا بالسيوف والنصول وركبت النساء والبنات في الهوادج وامام الجميع زوجة الخفاجي وابنته و الجازية ونساء الامراء والسادات وكان الخفاجي من افرح البشر في هذا السفر.














عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:36 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

((الجزء السادس)) قصة التمرلنك




( قال الراوي ):

لما قتلت بنو هلال ملوك العجم وكان الخرمند صهر التمرلنك يحكم على بلاد الموصل فلما قتل الخرمند ارسلت زهرة الى لابيها كتابا واعلمته بقتل زوجها الخرمند فلما سمع التمرلنك ذلك الكلام طلع الى الديوان وهو غضبان واخبر وزيره اسكندر بمقتل خرمند. قال يا ملك الزمان ارسل للبلاد واجمع العساكر ودعنا نلاقي بني هلال فأمره التمرلنك ام يأخذ معه مائتي الف مقاتل وقال له سر بالعساكر وكونوا رجالا، فسلر الوزير اسكندر بالعساكر الى ان وصل الى مكان يقال له القصر فوجد فيه تجارا آتين من بلاد العجم، فسألهم من اين اتيتم والى اين متجهون؟ فقالوا اتينا من بلاد العجم الى هذا المكان فاستدعى كبير التجار وكان اسمه كمال الدين وقال له ماذا سمعت عن بني هلال؟ فقال قد قتلوا الملوك وخربوا الكوفة وقتلوا الوزير وابن عمه ورفقته وكل الفوارس، وسبوا النساء وهم راحلين الى الغرب.


( قال الراوي ):

فلما فرغ كبير التجار من كلامه والوزير يسمع نظامه قال الوزير لقومه الرأي أن نرسل مائتي فارس إلى بلاد الرها يكشفون لنا الخبر، ونحن نبقى هنا حتى يأتي الملك، وإذا قال لماذا ذهبتم، نخبره بأنه أتانا علم بأن بني هلال نازلون في بلدة جاكدة، ونحن أرسلنا لهم روادا يكشفون لنا خبرهم وبقينا ننتظرهم، فقالوا هذا هو الرأي الصواب، أما التمرلنك فإنه بعث المكاتيب إلى جميع البلاد فحضرت العساكر فإذا هي أربع كرات ومعهم المدافع، وأحضر ابن أخته شروان وقال له أحكم موضعي جتى أحضر لك وطفا بنت دياب، فقال له على الرأس والعين، ثم أنه سار بالعساكر والجيوش يقطع البراري والقفار والسهول والأوعار، حتى وصلوا إلى بلاد الفرقس التي نازل فيها الوزير اسكندر، فلما وصل الملك لاقاه الوزير وسلم عليه، فقال له علامك ما لحقت بقوم هلال، فحكى له ما صار فعند ذلك غضب الملك وأمر بقتله، فتشفع به ملوك العجم من القتل فصفح عنه، ثم أنهم ساروا إلى أن وصلوا لرأس العين ونزلوا في ذلك المكان.

أما ما جرى لبني هلال فإن الأمير حسن رأى مناما هائلا، فلما أصبح استدعى الأمراء وراح يخبرهم بالمنام. فلما فرغ حسن من كلامه قالوا لاحول ولا قوة إلا بالله، فأحضر أبو زيد كتاب الرمل وتفسير الأحلام وضرب تخت الرمل ورسم الأشكال على شرح الحال فرأى الأهوال فبكى بكاءا شديدا. فلما فرغ أبو زيد من كلامه قال لهم كونوا على حذر من الأعادي، وباتوا إلى الصباح حتى صار وقت الضحى فما أقبل عليهم أحد، فقال أبو زيد يا أمير دياب اعزل من قومك ألفا ومن بني زغبة ألفا ومن عرب القاضي ألفا ومن قوم حسن ألفا ومن بني هلال اثني عشر ألفا، وتسلمهم الظعن وتجعلهم أربع فرق من كل فرقة أربعة آلاف فارس، فرجع دياب ولم الظعن وفعل مثل ما قال له أبو زيد، واجتمع الأمراء عند الأمير حسن فقال لهم ما هو رأيكم؟

قالوا الرأي أنك ترسل كتابا للتمر لنك، وإذا بالأمير دياب رأى رجالا آتين من ناحية بلاد التمرلنك فمسكهم وأتى بهم للأمير حسن، فقال ما هذا يا دياب؟ قال لقيتهم في البرية فقال الأمير حسن أنا أكتب كتابا للتمرلنك وأرسله مع واحد منهم ثم أشار يرسل إلى التمرلنك.

طوى الكتاب وختمه وأعطاه إلى الذين جلبهم دياب، وقال لهم أعطوه إلى التمرلنك، فأخذوه وساروا حتى دخلوا عليه وأعطوه الكتاب أخذه وقرأه وعرف رموزه ومعناه، وقال مرادي أطلب منهم عشر المال والخيل والجمال والبنات الحسان وفي الحال أشار يكتب.

ثم طوى الكتاب وختمه وكان عنده عبد اسمه الماس لكنه كان شديد البأس صعب المراس، فقال يا ألماس خذ هذا الكتاب إلى حسن بن سرحان أمير العربان، وقل له يرسل لنا نصف مال بني هلال، والنصف الآخر له بخشيش، فأخذ العبد الكتاب وسار حتى وصل إلى عند الأمير حسن فدخل وقبل يديه وأعطاه الكتاب، فأخذه وقرأه وعرف رموزه ومعناه وقال إلى قومه مارأيكم أيها الأمراء؟ فتقدم الأمير أبو زيد وأشار يرسل له الجواب ويقول:

يقول أبو زيد الهلالي سلامة
ولي دمع جرى فوق الخدود سكيبا
من أجل كتاب قد أفاض مدامعي
وعدت أقاسي من كلامه نحيبا
فترسل تريد المال منا غصيبة
وبنات هلال إليك نسيبها
ونحن رجال الحرب في يوم غارة
بيوم يعود الدم يجري سكيبها
فكم من ملوك كبار شتت شملهم
وراحوا من سيفي يقاسوا لهيبها
أنا أعلمك عن آل قيس وعامر
وآل زغبي خلاني أجيبها
إن طعتني أرحل بقومك يا فتى
نحن سباع الفلا ثم ذيبها


فلما فرغ أبو زيد من كلامه طوى الكتاب وختمه وأعطاه إلى العبد، فأخذه إلى التمرلنك ودخل عليه وأعطاه الكتاب فأخذه وقرأه، وعرف رموزه ومعناه وغضب غضبا شديدا وزاد به الغم والتنكيد، ثم استدعى بالوزير اسكندر وقال ان العربان لم يعطونا حسب طلبنا، وحياة رأسي لأحصدهم حصدا وأشردهم بالبراري، قال له الوزير دعني أكتب الجواب إلى الأمير أبي زيد فقال الملك لا يلزم الجواب وغدا نصلي عليهم نار الحرب ونسقيهم كأس الكرب، وثاني يوم ركب الأمير أبو زيد وأشرف على القوم رآهم مقبلين مثل الجراد المنتشر ما لهم أول من آخر فرجع وأخبر بني هلال بهذه الأبيات:

قال أبو زيد الهلالي سلامة
يا حسن جتنا العجم تمشي سريع

يا ملك جانا التمرلنك قاصدا
من فوق أشقر يا أمير تليع

والخيل من خلفه جراد زاحف
دوارع وسيوف تلمع لميع

أيا دياب اركب وانهض عاجل
واجعل الأعاجم أن يغدوا قطيع



( قال الراوي ):

وهم بالكلام وإذا بالعجم أقبلت مثل الجراد، فركب بنو هلال ولاقوا الأعاجم، ثم أنهم وقفوا مقابل بعضهم البعض فنزل وزير من وزراء التمرلنك إلى الميدان اسمه دخان، عرض وبان وطلب الفرسان وصاح على بني هلال، هل من مبارز هل من مناجر؟ لا يبرز لي كسلان ولا عاجز فما في حومة الميدان إلا الوزير دخان، فما أتم كلامه حتى صار القاضي بدير قدامه وصدمه صدمة هائلة، فقال له من تكون من الفرسان حتى جئت تهاجم الوزير؟

فقال أنا قاضي العربان ثم التقى البطلان كأنهما جبلان وافترقا كأنهما مركبان، وثار الغبار حتى سد الأقطار وقدحت حوافر الخيل نار، فزعق القاضي في وجه دخان صوتا مثل الرعد القاصف، ثم ضربه بالرمح فأخذها بالترس البولاد، راح ضرب القاضي خائبا فارتد الوزير وضرب القاضي بالسيف فشطب على رقبة الجواد فبراها كما يبري الكاتب القلم، فأراد أن يكمل عليه فأدركه الرياشي مفرج، وأركبوه جوادا والتقت الرجال بالرجال وجرى الدم وسال إلى وقت الزوال، دقت طبول الإنفصال وكل عاد إلى حيه، ولما أصبح الصباح دقت طبول الحرب والكفاح وركب التمرلنك بقومه، وركب بنو هلال وخرجوا إلى حومة الميدان واصطفوا، فبرز الوزير دخان إلى حومة الميدان ونادى على الفرسان فبرز له الأمير دياب.

والتقى البطلان كأنهما جبلان وحان عليهما الحين وغنى على رأسيهما غراب البين، وضرب دخان ديابا بالسيف أخذها بترس البولاد راحت خائبة، ثم أن ديابا انحدف على دخان وكان معلم الخضرة إذا صار فيه الفارس وكان من ورائه تضربه الخضرة بالجوز، فلما انحدف على دخان وأراد أن يضربه، برم دخان من وراء دياب يريد أن يضربه، وإذا بالخضرة ضربته بالجوز رمته هو والجواد على الأرض، فنزل له دياب وشد كتافه وأخذه أسيرا إلى أن وصل لعند الأمير حسن، فقال هذا دخان الذي قتل جواد خالي القاضي بدير وقتل من بني هلال ستة عشر فارسا، قال حسن والله هذا بطل لا أسمح فيه أن يقتل ثم أمر بخلعة سنبة ولبسها إلى دخان وقال له عليك الأمان ان رحت عند التمرلنك مع السلامة وإن بقيت عندنا حلت البركة، فقال الوزير يا ملك الزمان لي ولد عند التمرلنك فقال دياب أبشر أنا أجيب لك إياه، فبقي دخان عند بني هلال، ولما أصبح الصباح ركبوا وركب ابن دخان وكان اسمه سكران فنزل إلى الميدان وطلب مبارزة الفرسان فنزل إليه دياب وقال له من أنت؟ فقال أنا سكران ابن الوزير دخان وأنت أسرت أبي، قال دياب واليوم الحقك به ثم التقى البطلان كأنهما جبلان، وافترقا كأنهما مركبان، وحان عليهما وحان عليهما الحين وغنى على رأسيهما غراب البين، ودياب لايريد أن يقتله إكراما لأبيه، فداما على ذلك الحال إلى أن أمسى المساء، دقت طبول الإنفصال فافترقا عن بعضهما وكل منهما طلب أهله، وباتا إلى الصباح فنزلا للحرب والكفاح وتجاولا في الميدان من الصباح إلى المساء فقال دياب وإلى متى وأنا أطول روحي، وسحب الدبوس وضرب به سكران أرماه ونزل إليه وشده وعاد به إلى أبيه الوزير دخان، فأخبره بما أكرمه به السلطان ففرح سكران بأبيه وبقيا عند بني هلال، وفي الصباح دقوا طبول الحرب والكفاح ونزلوا إلى الميدان فبرز وزير للتمرلنك اسمه شاهين، فنزل له طوي بن مالك والتقى البطلان كأنهما جبلان حتى تعب منهما الزندان، ولم يزالا على تلك الحال من الصبح إلى العصر، فعندها قام طوي في عزم الركاب وضرب شاهين بعود القنا أخذها بترس البولاد راحت خائبة، ثم قام شاهين في عزم الركاب وضربه ومن عظم الضربة وقع شاهين من على ظهر الجواد إلى الآرض فضربه بالسيف على هامه ألقى رأسه قدامه، فلما رأت الأعجام شاهين قتيل، هجموا على العرب وهجمت العرب على الأعجام، والتحم القومان في بعضهم البعض، ولم يزالوا على تلك الحال إلى أن دقت طبول الإنفصال، فرجعوا إلى استحكاماتهم وفي الصباح اصطفت العساكر وبرز أبو زيد إلى الميدان وطلب مبارزة الفرسان، فنزل إليه اسكندر وزير التمرلنك فصدمه أبو زيد صدمة هائلة فتلقاه اسكندر وأنشد يقول:

أنني قرم غضنفر
رأس فرساني وعسكر

قال أبو سرحان اسكندر
لأنني قرم غشمشم

دوم في الجهات عابس
من يعاديني سيندم



فلما فرغ اسكندر من كلامه وأبو زيد يسمع نظامه أشار يرد عليه:

فارس يوم المجال
عادته قتل الرجال
قال أبو زيد الهلالي
جاك أبوزيد المسمى
من لقاكم ما يهما
يوم وقعات الصدام
سمها يهري العظام
ضربتي والسن سما
كما قتلت ملوك الأكابر
وزرا أيضا عساكر،
يا اسكندر قوم بادر
والتقيني بالصدام.



فلما فرغ الأمير أبو زيد والوزير اسكندر يسمع نظامه، التقى البطلان كأنهما جبلان وحان عليهما الحين وغنى على رأسيهما غراب البين، ولم يزالا على تلك الحال إلى وقت العصر حتى كلت منهما الزنود، فعندها قام الوزير في عزم الركاب وضرب أبا زيد بالسيف فأخذها بدرعه البولاد راحت خائبة، ثم أن الأمير أبو زيد هجم عليه كأنه السبع الكاسر وضربه بالقرضاب على عنقه فقتله، عند ذلك حملت العجم على العرب والعرب على العجم، وانحطت من الأعدا الهمم ولله در أبو زيد ودياب وباقي الشباب بما قاموا به من الجهاد والنضال! وما فرق بينهم إلا الظلام، عندها دقت طبول الإنفصال فافترقوا عن الحرب والقتال وقد قتل من العجم خلق كثير، وفي الصباح دقوا طبول الحرب والكفاح واصطف الفريقان فبرز التمرلك إلى الميدان، فلما رأى بنو هلال التمرنلك تعجبوا من همته وهو كأنه البرج الحصين، فقال حسن يا أبا زيد ماذا تقول في هذا الفارس، فقال أبو زيد العلم عند الله أنه عفريت من عفاريت سليمان فقال حسن نادوا إلى دخان لربما يعرفه، فنادوا له فحضر فقال حسن يا دخان من يكون هذا الفارس الذي في الميدان؟ فقال له هذا التمرلنك فقال حسن من ينزل إليه فقال دياب أنا أنزل إليه وعلى الله الإتكال، ثم نزل إلى الميدان وصدم تمرلنك فالتقاه وقال له من تكون من الفرسان؟ قال أنا دياب حداف الرقاب، فلما سمع التمرنلك هذا الكلام انطبق عليه والتقى البطلان كأنهما جبلان والتطما كأنهما بحران، ولم يزالا على تلك الحال إلى المساء، دقت طبول الإنفصال ورجعا عن القتال، وفي الصباح دقوا طبول الحرب والكفاح فنزل التمرلنك إلى الميدان وطلب الفرسان، فتقدم إليه فارس من بني زغبة فضربه التمرلنك طير رأسه، ثم نزل ثاني قتله وثالث جندله ورابع ما أمهله حتى قتل منهم عشرين فارسا، وأمسى المساء فدقت طبول الإنفصال فرجع كل فريق إلى حيه فقال الأمير حسن ما رأيك يا أبـا زيد؟ فقال أبو زيد الذي تريده يصير فقال حسن مرادي أن أرسل إلى التمرلنك كتابا لكي يترك القتال، فقال أبو زيد اكتب فكتب حسن إلى التمرلنك يقول:

يقول الفتى حسن الهلالي أبو علي
بدمع جرى فوق الخدود سكاب
نعم أيها الغادي على متن ضامر
تشابه نسيم الريح مثل الشهاب
إذا جيت للتمرلنك بلغ رسالتي
أيا ريت عمره ما يشوف نكاب
وقل له قال الأمير أبو علي
أمير ابن أمير من فروع أنساب
ألا يا ملك اسمع مقالتي وقصتي
وفز بنفسك من ملوك أعراب
وافهم كلامي لاتزيد عتاب
وتوقع بأوشم شومها وانكاب
فان طعنتي أسلم بروحك وعزوتك
من قبل ما تعلق بكم نار حربنا


فلما فرغ حسن من كلامه طوى التحرير وختمه وأعطاه إلى عبده، فأخذه وسار إلى التمرلنك وأعطاه التحرير، فقرأه فغضب غضبا شديدا وسحب السيف وضرب العبد طير رأسه، وقال لقومه غدا يكون آخر أيام بني هلال، فوصل الخبر للأمير حسن فغضب غضبا شديدا، وشاور الأمير أبو زيد على هذا الأمر فأجابه هاتوا لنا ثمانين ألف جمل وحملوها ترابا ناعما، ويركب مع الجمال ثمانون أميرا والعبيد تسوقها من الوراء ونركب نحن والله يعطي النصر لمن يشاء، فاعتمدوا على هذا الرأي ولما أصبح الصباح ركب الأمر أبو زيد بقومه التسعين ألفا والقاضي بقومه والأمير دياب بقومه، والأمير حسن بقومه ومشوا الجمال بعدما حملوها ترابا، وقال أبو زيد للذي مع الجمال إذا انكسرتم تعالوا صوبنا، ثم أنهم دقوا النوبات وطلبوا للقا والثبات، فلما سمع التمرلنك صوت الطبول دق طبله وركب بقومه، فهجمت الأعجام بالمدافع وكان عددها خمسمائة مدفع، فعندها لكزت بنو هلال الجمال على المدافع فجفلت من صوت المدافع، وكثر الصياح من وراء الجمال والعبيد تشكهم بالرماح وفزروا عدول التراب وهب الهواء وثار العجاج والغبار حتى عميت الأبصار، فركضت الجمال وداست الأعجام وخيلها، وحينئذ هجمت الأعراب الأسود وطعنوا الصدور والكبود، فلما نظر التمرلنك إلى ما صار في قومه أراد الهرب، وإذا بالأمير صبرا ابن أبو زيد عارضه في الطريق وصاح به، إلى أين يا ابن ألف قرنين فالتقاه التمرلنك بقلب مثل الصخر، وتجاولا في الميدان وتكسرت بينهما العيدان ثم هجم التمرلنك على الأمير صبرا هجمة الأسود وحمله على راحة زنده فتعلق صبرا بخصمه وسحب الخنجر وطعن به التمرلنك فعندها مالت العرب على العجم وما سلم منهم إلا كل طويل عمر، وفاتوا على خزائن التمرلنك وغنموا الأموال، وفرقها الأمير حسن على العرب وأحضر قوم التمرلنك والوزير دخان وجعله ملكا عليهم ومن بعدها ارتاحت العساكر من الحرب والصدام وأقاموا عدة أيام ورحلوا إلى أرض حلب.

قصة الخزاعي والملك بدريس بحلب




وكان حاكم حلب يقال له الملك بدريس، وكان صاحب مال وخيل وأبطال، فوصل له خبر بني هلال أنها أمحلت أرضهم وما فعلوا في الملوك الذين حاربوهم وكيف أن الخفاجي عامر أضافهم وسافرمعهم، فلما سمع هذا الكلام جمع أكابر قومه فقال وزيره الخزاعي علامك يا ملك جمعت القوم والفرسان؟

فأجابه أريد أن أخبركم عن بني هلال وما فعلوا قبل أن يدخلوا بلادنا وقتلوا أبطالنا ورجالنا، وإذا لم نعمل تدبيرا وقعنا في أمر عسير فقال الخزاعي الرأي عندي أن ترسل لهم روادا إلى أرض الكبيسة، يرودها ويعرف كم يكون معهم من العساكر والأبطال ويعود بالحال، حتى نحضر رجالنا لأجل حربهم وقتالهم، قال هذا هو الرأي الحميد، ثم استدعى برجل يسمى سابق وقال له مرادي منك أن تذهب وترود لنا بني هلال تنظر قومهم والفرسان وترجع لنا الخبر الشافي، فقال سمعا وطاعة، وركب ناقة عشارية وصار يقطع القيافي والقفار، حتى أشرف على نجوع بني هلال فرآهم بعدد الرمال وإذا بالأمير أبي زيد آتيا من الصيد فلما رآه عرف أنه رواد، فقال له أنت آت إلى بني هلال لتخبر مولاك بدريس عن أحوالنا، فأجابه أصبت في ظنك وما عاد شي مخبأ عنك ولكن قل لي عن اسمك حتى أعرفك، فقال له أنا أبو زيد، فقال له يأ أمير أعطني الأمان حتى أحكي لك السبب، فقال له لك الأمان وألف مرحبا بك، أنت ضيفي، عندها أشار سابق يقول شعرا.

فلما فرغ أبو زيد من كلامه وسابق يسمع نظامه، أطرق إلى الأرض فقال أبو زيد أنت اليوم ضيفي قم بنا إلى المنزل، فسار معه إلى بيته وأكرمه غاية الإكرام ثم قال قم بنا يا سابق إلى عند الأمير حسن نواجهك فيه، فأجاب أخاف أن يقتلني، فقال له لا تخف بكفالتي فقام وأخذه معه وسار لعند الأمير حسن فدخل أبو زيد وسلم فردوا عليه السلام، وجلسا فقال له حسن من أين ضيفك يا أمير أبا زيد؟ فقال له من حلب فاسأله عما تريد، فعندنها ناداه حسن فقام سابق وقبل يديه فقال له: حسن، من أين أنت آت وإلى أين ذاهب؟ فحكى له قصته على التمام ثم أقام عند أبي زيد عدة أيام وبعدها طلب إذنا للسفر، فأذن له وأعطاه مائة دينار، فسار وما هو مصدق بالنجاة إلى أن وسل إلى سيده ووزيره وأشار يقول شعرا بدوره.

فلما فرغ سابق من كلامه والملك يسمع نظامه، تغيرت منه الأحوال من عظم هذه الأقوال، ثم قال ما رأيكم أيها الناس الأعيان هل نبادرهم بالحرب أم ندعهم يجوزوا بلادنا بالأمان؟ فقالوا يا ملك الزمان نحن بين يديك ولا نبخل بأرواحنا عليك، والذي ترى فيه الصواب افعله، فقال الوزير أرى أن ننتظر حتى يصلوا إلينا ونكون قد جمعنا قومنا وأبطالنا حتى إذا ما وقع بيننا وبينهم القتال، نشيلهم على أسنة الرماح وننهب مالهم ونسبي عيالهم، فقال الملك هذا هو الرأي الموافق ثم أنه بعث بالأمر إلى جميع عماله بأن يحضروا حالا بالفرسان والأ[طال، وما مضى الا القليل من الأيام حتى غصت حلب الشهباء بالعساكر فسر الملك بهم وأمر القادة أن يكونوا دائما متيقظين لقدوم بني هلال.

أما بنو هلال فإنهم لم يزالوا سائرين حتى وصلوا إلى مكان قريب من حلب، فنزلوا فيه وامتدوا في نواحيه وأكلوا الأثمار من الأشجار وشربوا المياه، فهربت الأهالي والسكان وأعلموا الملك بدريس بهذا الشأن فصاح الملك: عليهم أيها الأبطال فقال له الوزير اطلب منهم عشر المال والنوق والجمال فإن أجابوا هذا الطب كان غاية المراد وإن امتنعوا بادرهم القتال، فاستصوب الملك هذا المقال وكتب.

فلما فرغ بدريس من شعره ونظامه طوى الكتاب وختمه وأرسله مع نجاب إلى بني هلال فدخل نجاب على الأمير حسن وقبل يديه ثم سلمه الكتاب وطلب الجواب، فلما قرأه وفهم فحواه تغيرت منه الأحوال ولكنه أخفى الكمد وأظهر الصبر والجلد، وأمر بأن يأخذوا الساعي إلى دار الضيافة فأخذوه وبعد ذلك التفت الأمير حسن إلى السادات والرجال وأعلمهم بما كتب بدريس.

عندئذ قال أبو زيد: يا ابن عمي ليس لبدريس غير ضرب السيف وأما دياب فصار الشرر يتطاير من عينيه وعوارضه ترقص في وجهه وقال: علي في بدريس والخزاعي وحدي فعند ذلك أشار القاضي بدير يرد له الجواب ثم أعطاه للنجاب فأخذه وسار حتى وصل إلى الملك بدريس فناوله إياه، فلما قرأه اسودت الدنيا في عينيه ثم أمر بجمع العساكر والأبطال، فامتثلوا أمره وجمعوا مائتي ألف بطل فركبت الفرسان ظهورالخيل واعتقلوا بالرماح والنصول وركب الخزاعي بهذا الجيش الكثير وساروا لإستقبال بني هلال قبل وصولهم إلى الأطلال، فلما التقى الجمعان للقتال برز الخزاعي إلى ساحة الميدان وطلب مبارزة الفرسان فبرز إليه الأمير دياب فالتقاه الخزاعي بقلب كالحديد وصدمه صدمة الفرسان الصناديد وأنشد يهدده.

فلما فرغ دياب من شعره التحم البطلان في القتال، ومازالا في كر وفر وطعن وضرب من الصباح إلى وقت الظهر وكان الخزاعي قد ضاقت به الحيل فطعن خصمه بالرمح فانقلب دياب تحت الفرس، فراحت الطعنة خايبة فعند ذلك استوى على ظهر الخضرا وضرب الخزاعي بالسيف، فالتقاه بدرعه البولاد فوقعت على رقبة الجواد، فوقع الوزير على الأرض، وإذا بقومه أدركوه وخلصوه، فلما رأى دياب هجوم الفرسان والأبطال صاح في بني زغبة وأمرهم بالهجوم والقتال، فهجموا عليهم ومكنوا الصوارم في رقابهم وما زال دياب وراهم في الطلب حتى أوصلهم إلى مدينة حلب. فدخلوا المدينة وأغلقوا الأبواب ورجع دياب وقصد حسن في الصيوان وسلم عليه فقبله حسن بين عينيه وشكره، فأخبره بما جرى في ذلك اليوم وقال لابد للمك بدريس أن يقصدنا باكرا ويخرج إلى ميدان القتال فأذيقه الوبال واستخلص منه الغنائم والأموال.













عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:38 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

قصة أسر دياب( الجزء الثامن )

فأخبرونا أنك قتلته وملكت بلاده ففرحنا لأنك قتلت هذا الملعون الخيبري، ونحن أتينا إليك ومالنا ونوالنا وكل ما تحت يدنا فهو لك وهذه البدل منا هدية إليك. ففرح بهم فرحا شديدا ثم التفت إلى التاجر الثاني وسأله ما اسمك؟ قال منذر ثم التلفت إلى التاجر الثالث فسأله ما اسمك؟ فأجابه نطون العقيلي، فقال لهم ان كان متارجكم تعوز مائة جمل أعطيها لكم ولكن ان كان مرادكم أكون لكم حمى من المضرين أخفركم إلى أرض تونس الغرب، فاحلفوا بالله العظيم لاتخونوني، فحلوا له أنهم لا يخونوه أبدا فقال لهم سيروا بنا إلى المركب حتى أنظر متارجكم وأرى الحمولة إلى كم جمل تحتاج حتى أرسل لكم مع عبيدي، فدخلوا معه بالخداع قالوا أنت تريد أن يشعر الناس بنا ونحن نريد أن لايضطلع على سرنا إلا الله وأنت لإن العرب متى رأوا متاجرنا يطمعون بنا، فيقع الخلاف بيننا وبينهم وينشب القتال، فنكون نحن السبب في هذا الشر والكدر، فلما سمع منهم هذا الكلام قال سيروا وأنا أسيرمعكم وحدي حتى أنظر ما ذكرتموه لي، فركبوا خيولهم وساروا ليلا خوفا من أن ينظرهم أحد فتظهر حيلهم، وبينما هم سائرون وإذا بالأمير عمار أخو الأمير حسن التقى بهم فلم يعرف منهم سوى الأمير دياب فقال يا ابن عم غانم إلى أين سائر مع هؤلاء القوم؟ فأجابه هؤلاء ضيوفي ومرادي أوصلهم خوفا عليهم من السفهاء، فقال أتريد أن أذهب معك؟ فأجابه إذهب في حالك، فسار الأمير عمار إلى منزله وأما الأمير دياب فإنه سار مع أصحابه من العشاء إلى ثاني يوم الظهر حتى أشرفوا على البحر المالح، فسمع دياب صوت دوي الماء فدخل عليه الوهم وقال في باله والله أعلم أن هؤلاء الثلاثة خائنون، لأن أعينهم ملأى بالغدر، فأراد أن يرجع من وقته ولكن المقدر لابد من نفاذه، ولما رأوه قد تغير وفي سيره تأخر قالوا أما تنزل معنا في البحر؟ فأجابهم إن نزولي معكم في البحر ليس ضروريا وان كان كلامكم صحيحا انزلوا وهاتوا ما قلتم لي عليه، ثم نزل عن الشهبا ومسك مقودها بيده اليسار والسيف بيده اليمين، ووقف ينتظر فتركوه ونزلوا إلى البحر، حتى أتوا إلى الغلبون وجابوا له خيمة من الحرير وكللة بالدرر والجواهر والياقوت والمرجان والزمرد فلما رأى دياب تلك الخيمة وفشرها الذي يدهش البصر، تعجب غاية العجب وظن كلامهم صحيحا ودخل معهم إلى الخيمة وجلسوا يتحادثون وأتوا بالمأكل والمشرب فبنجوه، وفي الحال جابوا السلاسل، قيدوه ونزلوا إلى المركب ورفعوا المراسي وأقلعوا، ثم أعطوه ضد البنج، ففاق فوجد حاله مقيدا بالسلاسل، والتفت يمينا وشمالا فرأى الجماعة وقد كانوا في ملابس بيض صاروا في برانيط سود، فعرف أن الحيلة تمت عليه، فتنهد وأنشد يقول:

يقول الفتى الزغبي دياب بن غانم
بكيت على حالي وأنا مأسور

بكيت على جاهي وعزي وهيبتي
وأنا فوق تختي جالسا مسرور

ومن بعد عزي وارتفاعي وشمختي
بقيت مقيد بينكم مأسور

وخنتموني لا عمر الله دياركم
وبقتون في وأصبحت مقهور

يا رب يا رحمن يا سامع الدعاء
يا من تسبح له شجر وطيور

يجيني أبو زيد الهلالي سلامة
يخلصني من كل هلاك وشرور

مقال الفتى الزغبي دياب الغانم
دهتني الليالي والزمان غدور



فلما فرغ دياب من كلامه، ندم على ما فعله، ثم قالوا لابد من قتلك، فلما وصلوا إلى جزيرة قبرص أدخلوه على الملك هراس، ففرح الملك الفرح العظيم وألقاه تحت الغذاب الأليم، هذا ما كان من دياب وما جرى له من الأحوال والعذاب، وأما ما كان من بني هلال فإنهم كانوا في فرح ومسرات والهدايا تأتيهم من جميع الجهات، فبينما هم في بسط وانشراح إلا والخضرا قادمة مثل هبوب الرياح وهي كئيبة حزينة على فقد خيالها الأمير دياب، فأول ما نظرتها بنته وطفا، طار الشرر من عينيها فصاحت وولولت، فتراكض جميع الفرسان والأبطال على صياحها وصار ضجة عظيمة ما صار مثلها في سالف الزمان، أما الأمير حسن فإنه قال لأبي زيد أن دياب صار له مدة ما حضر معنا وأظن أنه مغتاظ منا لأننا ما خليناه ينهب حلب، فقال له أبو زيد قم نزوره لأن دياب لو ما حصل له شئ ما كان طول علينا هذه الغيبة، فمن ساعتهم ركبوا على ظهور خيولهم ومعهم القاضي بدير وساروا نحو منازل دياب، فسمعوا البكاء والنواح، ولما رأوهم تقدم غانم أبو دياب باكي العين زائد الإنتحاب.

فلما سمع الحاضرون كلامه حزنوا على فقد دياب واستعظموا ذلك المصاب، ثم التفت الأمير حسن إلى أبي زيد وقال له حطت عندك الحكاية وما أحد يقضيها غيرك، فالتفت أبو زيد إلى عبده أبي القمصان وقال له هات لنا الرمل فأحضر الرمل وأعطاه إلى أبي زيد فأخذه ورسم الأشكال، فبان له أشكال النحوس على دياب وعرف الغريم، فبكى أبو زيد وبكى كل من كان حاضرا، فقال له حسن لماذا يا أبا زيد بكيت وبكيتنا معك؟ فأخبرهم أن دياب في قبرص عند الملك هراس، يقاسي أنواع العذاب، فلما سمعوا هذا الكلام صاح الجميع عن فرد لسان، مالنا سواك يا أبا شيبان، لأنك مفرج الهم فقال لهم سمعا وطاعة، وتجهز للسفر وودع الأمراء والسادات وركب الحصان وصار يقطع البراري والفلوات ومازال سائرا إلى قبرص إلى أن وصل إلى باب المدينة، فرأى الهراس طالعا بجماعته إلى الصيد والقنص، فعرف أبو زيد أنه الملك، فتقدم إليه بقلب أقوى من الصوان وسلم عليه بأفصح لسان، وسحب المبخرة وحط بخورا فعقد الدخان وقال له هذا البخور من دير الجيروان، وأخرج ثلاث شمعات وقال له خذ هذه الشمعات فهي من دير البنات ودير الحميرة المباركات، فقال الهراس وقعت يا أبا زيد وكيف وصلت وأنا مربط عليك الطرق؟ فقال سلامة لا تقل هذا الكلام يا ملك الزمان، أنا خدام الملك مثقال ولي مائتا سائح، ما تركت ديرا ولا صومعة وأنك انتصرت على دياب وأسرته لأنه قتل بدريس.

فقال الهراس يا راهب أما دياب فقد مسكناه وفي الحديد رميناه، ولكن بحياتي عليك أنت بعثك مثقال، فقال أبو زيد أي وحق الإله المتعال، فعندها أخبره الهراس كيف عمل في دياب فقال أبو زيد بخ بخ لك على هذه الحيلة التي يعجز عنها أعظم الرجال، ثم انهم دخلوا إلى الديوان وأمر لأبي زيد بالجلوس وبالطعام ثم بدأ أبو زيد حديثا للملك ما سمع مثله في طول عمره حتى ولا من العلماء والفلاسفة، فسر منه ونادى في أكابر ديوانه بأن يكون أبو زيد الكبير فيهم وقال لهم الذي يريد منكم أن يسأله شيئا فليتقدم، فعندها تقدم كبير الرهبان ويسمى أبو برناس.

وتكلم فتعجبوا من فصاحة لسانه، فما بقي عند الهراس أكبر منه وقال تمنى على ما تريد يا سلامة، قال له أريد أن تريني دياب حتى أشفي قلبي منه بالعذاب، فأمرهم بما طلب، فأخذوه إلى السجن، ولما رآه في هذا البلاء والعذاب، غاب عن الصواب، وتقدم إليه وضربه بكفه طير الشرر من عينيه فتألم دياب وصاح الله يقطع يمينك، فقال له أنت والله يقطع عمرك من هذا السجن، ثم خرج من عنده وعاد إلى الهراس وقال يا ملك الزمان هذا دياب ما بقى ينفع، فكه من الحديد ولبسه شيئا جديدا وطلعه إلى القصر، وأطعمه دجاجا وخبزا حتى يسمن ويعود يصلح للعذاب، فقال الهراس أطلعه فطالعوه وعمل فيه مثل ما قال الراهب سلامة وكان مراده أن يرد دياب إلى عافيته، لأنه قد انسل من شدة الجوع ولا عاد عنده قوة ولاحيل، قال واستقام أبو زيد عند الهراس فلا يغلبه أحد من الناس، فسمع به راهب من الرهبان وكان يسمى مغلوب ابن توما، فركب وأتى إلى عند الهراس، فلما وصل إلى المدينة، قامت الضجة وقالوا يا ملك أتى مغلوب بن توما، فركب الهراس ولاقاه وسلم عليه، فما رد سلامه، قال له: لماذا يا سيدي ما ترد السلام؟ قال كيف ارد سلامك وعدوك أبو زيد عندك وأتى لأجل خلاص دياب؟؟

فقال الهراس أنا لا آخذ أحدا ظلما وعدوانا، فقال مغلوب هذا يتكلم بالسبع لغات ويصبغ حاله سبع صبغات لأنه غضبة من الغضبات، وأخاف أن يقتلك ويخرب بلادك، فقال الهراس اذهب معي إلى الديوان شوفه، فساروا إلى الديوان ولما دخلوا التفت الهراس إلى الراهب سلامة وقال له أنت أبو زيد صاحب المكر والكيد ولأتيت تفك دياب من البلاء والعذاب وحضر من يعرفك وقد سحرتنا بمكرك، فقال سلامة من الذي حضر يعرفني؟ فقال الهراس: هو مغلوب عالم بلادنا، فبكى الراهب سلامة بكاءا شديدا وقال: ما دام كل من أتى إليك تسمع كلامه، أنا ما بقي لي عندك قعود وأشار إليه يقول:

قال الراهب سلامة يا ملك
اسمع كلامي وأنت فاهم هالسؤال

من عند مثقال أتيت لعندكم
ودرب قبرص والسهول والجبال

وجيت إلى عندك وقد أكرمتني
وأعطيتني كل المواهب والأموال

وعلى الجميع قد رقيتني
وجعلتني ياملك أحكم بالرجال

وكل من يسمع بفضلي يا ملك
يبقى بنيران الحسد في اشتعال

هات لي مغلوب يأتي بالعجل
ينظر لفعلي وناظره بين الرجال

وأنا ورائي ألف عابد سائحين
مأكولهم عشب الفلائم المزلال

وصائمين الدهر عن أكل الخبز
ما يعرفون الخيل أيضا والجمال




( قال الراوي ):

وهما في الكلام إلا والراهب مغلوب داخل عليهم، فقاموا له وسلم عليهم، فردوا عليه ثم التفت إلى من حوله وقال: هذا الراهب سلامة؟
قالوا: نعم. قال له من أين يا راهب؟
قال: من بيت المقدس.
قال: هذه أول كذبة وأنا لي أربعين عاما في بيت المقدس ما سمعت في راهب اسمه سلامة.
قال أبو زيد: أنا كنت سايح ف رؤوس الجبال.
قال له: قطعت يدك يا محتال ولكن إقرأ لنا الإنجيل. فقرأه.
فقال له: إقرأ لنا المزامير. فقرأها. فتعجبوا غاية العجب.
قالوا: المسلم لا يعرف كل ذلك.
قال لهم مغلوب: هذا يعرف السبع السن يقرأ فيها.
وتكلم أيضا فتعجبوا من فصاحة لسانه وعلمه وبيانه، وأما مغلوب فقال له الملك: لماذا لاترد جوابه وقد أرميت عليه مسائل ردها؟
قال: يا ملك هذا أبو زيد إن أردت أقتله وإن أردته أبقه.
فقال الهراس: ما تقول يا راهب سلامة؟

فقال: يا ملك قد أمسى المساء وأنا الليلة اجتمع بساداتي الذين ربوني من صغر سني، وما أظن أنهم ينسوني ومن هذا المشكل يخلصوني، وغدا أخبرك، وانفض الديوان، وتوجه أبو زيد واختلى بنفسه ثن أحضر الدهن والشمندل ودهن به جسمه حتى إذا لمس النار لا تؤذيه، وبات إلى الصباح وطلع الهراس وقال: كيف أنت يا سلامة؟ فبكى أبو زيد وقال: وحق الغمامة أتاني أربعون عابدا وكل واحد طول أربعة رجال وعمرهم ما تركوا الصلاة وهم في أقطار الأرض طائرين، ينظرون حال المساكين، فحكيت لهم عن مغلوب، فحلفوا أنهم لابد أن يحرقوه، وحكيت لهم عن فضلك، باركوا لك في طول عمرك وكل واحد أوهبك من عمره عاما، فقال الهراس: جزاك الله عني خيرا لأنه زاد عمري أربعين عاما وكيف قالوا لك أن تفعل؟ فأجاب: قالوا لي خلي الملك يوقد النار في الفرن، وتدخل الفرن أنت ومغلوب والذي يكون غلطان تحرقه النار.

قال الملك: ماذا تقول يا مغلوب؟ قال: دعه يدخل النار قبلي.

فقال سلامة: نعم أدخل قبلك. وأمره أن يوقد الفرن، فأوقده حتى صار جمرا ودخل أبو زيد الفرن بعدما تلا إسم الله الأعظم، فعادت النار باردة بإذن الله، فنظر الهراس بعد ساعة، وجده جالسا كأنه في روضة خضرة، فقال: أدخلوا مغلوبا، فقدموه فصرخ صوتا من صميم فؤاده، فمد يده أبو زيد وشده حتى صار داخل الفرن، فاحترق، أما أبو زيد فقد خرج سالما فصاروا يتباركون به واعتقدوا فيه العبادة والولاية، وصارت تحبه النذورة ثم طلب من الملك أن يجمعوا الأسرى من جميع البلاد في مكان واحد، فجمع الأسرى من جميع البلاد وإذا هم إثنا عشر ألف أسير، فوضعوهم في مكان حصين، فأخذ أبو زيد شمعة ودخل عليهم وكان بينهم رجل اسمه عمر، فلما شاف سلامة، قال: آه يا ملعون على ما أكون مطلوق السواعد، فتقدم إليه وأطلقه، وقال له: دونك وما أنت الطالب، فاستعد وانطبق على أبي زيد فالتقاه كالأسد ومد يده من وسطه ورفعه إلى رأسه وخبطه بالأرض، وقال كيف رأيت نفسك؟

فقال: أرجو عفوك أيها السيد. فقال: عليك الأمان أنت ودياب وجميع المسجونين. ففرحوا جميعا ودعوا له بالتوفيق ثم أخذهم إلى محل السلاح، فأخذوا ما يحتاجون ثم أرسل عمر مع ألفين من الشباب وربطوا الطريق و الأبواب وفرق الباقي في جميع أنحاء البلدة، وأخذ معه ديابا وألف فارس وسار بهم نحو السرايا، ودق الباب فرد عليه الحارس فقال أبو زيد: أنا الراهب سلامة. ففتح ودخل الأمير أبو زيد وضربه بالسيف، قطعه نصفين، ثم دخلوا على الهراس وجدوه نائما، فرفسه أبو زيد برجله، ففاق وفتح عيونه فقال: من أنتم؟ قال أبو زيد: أنا الراهب سلامة. فتقدم دياب وضربه على هامه رمى رأسه قدامه ثم تفرقوا في الأسواق والأزقة، فقتلوا إثني عشر ألفا وباقي الناس طلبوا الأمان، فعفوا عنهم، فطلع المنادي ينادي في الأمان وجلس أبو زيد في الديوان وأتى عنده الأكابر والأعيان وكان بين أبي زيد ونوفل إشارة كانت مراكبه دائما في البحر، فرفع أبو زيد الإشارة فتقدم نوفل بمراكبه حالا، وصهد إلى البر، فأخذه أبو زيد إلى الديوان وقال لهم: قد وليت أرقل حاكما عليكم، ولاأحد منكم يخالف له أمرا، ودخلوا إلى دار الهراس وجدوا المال الذي فيه لا يعد ولا يحصى فأخذوه إلى المراكب وودعوا نوفل وسافروا، فلما وصلوا إلى دير اللاذقية أرسل أبو زيد يبشر الأمير حسن وبني هلال بقدومهم فقامت عندهم الفرحات وعلت الصيحات وركبت الأربع كرات والأمراء والسادات وساروا حتى التقوا فسلموا على بعضهم سلام الأحباب، فهنؤوهم بالسلامة ثم حملوا الأحمال وساروا في عراضة، قدام الأمير أبي زيد، فلما وصلوا إلى الخيام، استقبلتهم النساء والبنات والنوبات وهنؤوا الأمير دياب بخلاصه من الأسر، وشكروا الأمير أبا زيد على حميد أفعاله وصرفوا ذلك النهار، بالفرح والسرور وعمل المير حسن وليمة عظيمة لها قدر وقيمة، وما زالوا على تلك الحال وهم في أرغد عيش وأنعم بال مدة عشرة أيام، ثم ركب السادات ظهور الخيول واعتقلوا بالرماح والنصول، وركبت النساء والبنات في الهوادج والعماريات وجدوا في قطع البراري والفلوات طالبين أرض عنتاب، فوصلوا إليها بعد أيام فنصبوا المضارب والخيام ورفعوا الرايات والأعلام.

قصة أبي بشارة العطار




( قال الراوي ):

لما رجع بنو هلال من قبرص واجتازوا في طريقهم ماردين أحبوا أن يذهبوا إلى الصيد فسار حين والأمير دياب وبدير مع جماعة صيادين، فصاروا يصطادون الأرانب والغزلان حتى وصلوا إلى أرض يقال لها قلعة سواكن، وإذ لاقاهم رجل عطار قدامه حمار، واضع عليه العطارة، فلما أقبلوا سلموا عليه فما رد السلام بل قال لهم: وقعتم يا أوباش لابد ما أقتلكم وأريح الدينا منكم. ثم تقدم إلى حسن وقال له: إلى أين سائر في هذه الآطلال أنت ودياب وبدير؟؟

قال حسن: إخرس قطه الله لسانك. وصاح القاضي بدير وارتمى على أبي بشارة ليفتك به فارتخت أعضاؤه وكذلك حسن، فلما نظر دياب هذه الأحوال صاح فيه اليوم يومك يا ابن اللئام، ثم أنه قوم الرمح وقال له خذها من دياب الأسد الرئبال، فأراد أن يطعنه فما نظر نفسه إلا مكتفا، فعند ذلك صاح فيهم ومشى أمامهم، فتبعوه مثل الغنم، حتى وصل إلى قلعة صهيون، فأدخلهم إلى السجن ووضع لهم الحديد والأغلال، وقال لهم: ما بقي لكم خلاص من ضيق الأقفاص، أما الذين كانوا مع الأمراء فأسرعوا عائدين فسألهم أبو زيد عن حسن وباقي الأمراء فأعلموه بما جرى لهم. فلما سمع أبو زيد هذا الكلام، غاب عن الصواب، وأقامت نساء هلال الصياح والبكاء، واجتمعت بنو هلال عند أبي زيد وقالوا: ما هذا المصاب وما يكون الجواب؟

قال لهم: قوموا بنا ندور عليهم في البراري، ونفحص عن هذه الأحوال، فبينما هم كذلك وإذا برجل في الطريق، فسلموا عليه فرد عليهم السلام، فقال له أبو زيد: ما عندك من الأخبار؟ فقال له: كنت أمس سائرا في تلك الناحية إذ رأيت أبا بشارة العطار ومعه ثلاثة من أمراء بني هلال وهم في أوشم حال، وقد أخذهم إلى قلعة صهيون ووضعهم في الحديد والأغلال وإذ كنتم ذاهبين إلى خلاصهم فارجعوا لئلا يصير فيكم مثل أبي بشارة، لأنه سحار مكار، ثم تركهم وسار إلى حال سبيله.

أما أبو زيد فقال لفرسانه والأبطال: ارجعوا إلى الأطلال، وأنا وزيدان، نكفي لهذه الأحوال، فعندها رجعت العرب، وأما أبو زيد وزيدان فسارا في تلك البراري والقفار طالبين قلعة صهيون، وإذ رأيا أبا بشارة العطار وقدامه الحمار، فلما رآهم وقف حتى وصلوا إليه فصاح فيهم ويلكم أيها الأنذال، وقعتم في أوشم الأحوال، وقعت يا أبا زيد أنت وزيدان والله لابد من أن أقتلك وأريح الناس منك. فقال له: من عرفك فينا حتى تعادينا؟
فقال: عرفتكم من قبل أن تخرجوا من أوطانكم ولا بد من أن أذيقكم الأهوال، فقال أبو زيد: سد فمك لعن الله أباك وأمك وما أنت إلا ملعون يا بايع الفلفل والكمون وأشار يهدده:

قال أبو زيد تخسا يا ردي تخسا
أنا أبو زيد حاوي جميع الأوصاف

لا بد ما أقتلك وأقتل إلى حنا
و كان عند ثلاثين ألف سياف

زيدان اسحب سيفك واقطع رأسه
واحدف إلى رقبته عن الأكتاف

عطار عمرك خلص ما عاد لك نجا
يا قانص العقل يا عديم الإنصاف

أنا أبو زيد وكل الناس تشهد لي
قرم صميدع من نسل أشراف



فلما فرغ أبو زيد من كلامه سحب زيدان حسامه وغار عليه يريد إعدامه، فما رأى حاله إلا وهو مكتوف ورأسه مكشوف، فلما رأى أبو زيد ما صار في زيدان، خرج عن دائرة الإعتدال وسحب سيفه وهجم عليه هجمة الأسد الرئبال وقال له: ويلك يا ابن الأنذال دع عنك هذه الأحوال، فلما نظر أبو بشارة من أبي زيد تلك الفعال قبض كمشة من التراب وعزم عليها ثم حدفها على أبي زيد وإذ برجليه قد يبست وكذلك يده ثم زعق في أبي زيد صوتا هائلا كأنه الرعد ورفعه في يد فإذا هو طائر بين الأرض والسماء وأما زيدان فجره ذلك الملعون ووضعه في حصن صهيون مع حسن ودياب وبدير.

فقال الأمراء هذا ملعون يأسرنا واحدا بعد واحد وصاروا في حساب وأمور صعاب، هذا ما كان منهم، وأما أبو زيد فإنه ما وعي على ذاته إلا بين بني هلال، يبكي ويضرب بيده اليمنى والشمال، فلما رأته بنو هلال بهذا الحال قالوا أبو زيد جن، ثم تقدموا إليه وحطوا القيد في رجليه وبقي على هذا الحال ثلاثة أيام لا يعرف ذاته في أي مكان، فصاروا يواسونه بالكلام ثم قالوا إلى متى هذا الحال يا أبا زيد ومن الذي عمل فيك هذا؟ فقال لهم: أين أنا ومن أنتم؟ فقالوا: نحن أهلك وأحبابك بنو هلال، فعند ذلك صحا وأنشد شعرا.

فلما فرغ أبو زيد من كلامه تقدم الأمير غانم أبو دياب يسأله عن ولديه دياب وزيدان.

ثم قال القوم: يا أبا زيد إلى متى هذا الحال وأنت قاعد يا مفضال؟ قم وسر بلا إمهال وانظر حال الأمراء والأبطال وخلصهم وأرنا عوايدك وفعالك، فقال لهم: يا قوم هذا أبو بشارة كهين من الكهان وما يقدر عليه أحد، لا من إنس ولا من جان، ولكني أستعين عليه بالواحد الديان وإن شاء الله ما أموت إلا وأنا مخلص السادات من الأسر والشدات، ثم أنه قام من ساعته وقلع ما كان عليه من ثياب ولبس صفة درويش وأخذ في يده عكازا وإبريقا وكولك، وسار يقطع البراري والقفار والسهول والأوعار، وما زال سائرا حتى أتى إلى ضيعة من حكم تلك البلاد، فبينما هو ينظر في تلك الوهاد إذ به يسمع صوت أبي بشارة ابن الأوغاد وهو ياندي على العطارة، فقال أبو زيد الله يخفي لك هذا الصوت يا ستار استرني من هذا الجبار، ثم أنه دخل خرابة وتخبى فيها من ذلك الملعون إلى أن طلع أبو بشارة من تلك الضيعة وأبو زيد يراه عند ذلك لحقه من الخلف إلى خلف حتى يقتله، فالتفت إليه وقال له أدن مني حتى أريك نفسي يا كلب يا مكار يا مخرب الديار،فلما سمع أبو زيد هذا الكلام أراد أن يهرب في الآكام وإذا برجليه قد يبستا ولصقتا في الأرض، فقال له العطار مت كمدا ولا يدري بك أحد، ثم سار وتركه فعند ذلك رف أبو زيد رأسه إلى قبلة الدعاء وباسط الأرض على وجه الماء وقال إلهي ومولاي ورجائي يا من نجيت كل الأنبياء والمرسلين نجني من هذا اللعين بجاه سيدنا الخضر عليه السلام، فما أتم كلامه إلا وقائل يقول: لاتخف يا أبا زيد ولا عليك من بأس أقبل شيخك الخضر أبو العباس عليه السلام، فعند ذلك انطلق أبو زيد من مكانه وسار قليلا وإذا بأبو بشارة العطار مقبل عليه وقال له من فكك يا غدار يا مكار؟ فقال له: يا عطار أنا عمري ما تدخلت على أحد فأرجو يا فتى أن تطلقني من وثاقي وأنت ذاهب واقتل المحابيس الذين عندك وأنا بدمهم قد سامحتك، فقال له: إذا أطلقتك وسرت إلى عند المحابيس وقتلتهم فأكون قطعت ذنب الحية وأبقيت رأسها، ولكن أنا لابد لي عن قتلك يا ابن الأنذال وقتل محابيسك بني هلال، فلما سمع أبو زيد هذا الكلام، صار الضياء في عينيه ظلاما وأشار يقول:

يقول أبو زيد الهلالي سلامة
ونيران قلبي زايدات شعال

سألتك يا رحمن يا سامع الدعا
بجاه من على الجبال قد جال

أبو بشارة ما تخاف الله يا كاهن
يا حيف تقتل أمراؤنا وبطال

لو كنت مأسور كان الأسر أهون لي
وكنت أشوف رفقتي ورجال

إلهي بحق الحرم وكعبة الغراء
وبجاه الأنبياء وكل مفضال

بأنك تجيرني من الكهين الساحر
أبو بشارة الفاجر المحتال





( قال الراوي ):

فلما فرغ أبو زيد من كلامه والحق متجلي على دعائه استجاب نداءه فأراد أبو بشارة أن يسير إلا وصوت يقول الحقه يا أبا زيد يا مفضال واسقه كأس الوبال، أنا أستاذك الخضر أبو العباس، فلما سمع أبو زيد هذا الكلام، لحق بأبي بشارة وصاح عليه وقال له: أين عدت تسير يا ابن اللئام؟ اليوم أسقيك كأس الحمام، وما عاد لك خلاص من ضيق الأنفاس. فأراد أبو بشارة أن يلتفت إليه ويسحره وإذا بكف صفعه عل وجهه فعقد لسانه وجمدت عيونه وما بقي له الكلام، فسحب أبو زيد النمشة من العكاز وطسه على هامه حط رأسه قدامه، فوقع قتيلا يتخبط في دمه، عند ذلك فرح أبو زيد وحمد الله الذي خلصه من هذا الساحر وقرأ الفاتحة وأهداها إلى الخضر أبي العباس، ثم أنه أخذ حماره ونزل عنه بضاعته ففردها ونظر ما فيها، وبعد ذلك حزمها ووضعها على الحمار ثم خلع ما كان عليه من الثياب وتزيا بزي أبي بشارة العطار وساق قدامه الحمار وقال له: الله يحرق عظام صاحبك ابن الأوغاد وسار في البراري والوهاد إلى قلعة صهيون وصاح أنا الحنون ساقي ذد كأس المنون ومعي فلفل وكمون وحنة وأساور وإبر وحلق ودهون، وحمرة وسبيداج وخطوط، أرخص لكم البضائع في هذه السفرة يا بنات! !

فتواردت عليه النساء من كل مكان، فصار يكمش ويعطيهن بدون ثمن وهو يقول لهن: لقد ربحت في هذه السفرة ربحا كثيرا.

ولم يزل سائرا حتى وصل إلى قلعة صهيون فاستقبله شخص بالترحيب والإكرام وأجلسه على مرتبة وأمر له بالخمر والشراب.














عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:39 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

( الجزء التاسع من تغريبة بني هلال )



فقال أبو زيد في سره، أنا عمري ما شربته وكيف أشرب الآن؟ فقال له صاحب القلعة، وكان اسمه حنا، لماذا لاتشرب وتطرب كعادتك؟

فقال أبو زيد، لقد أقسمت يمينا أن لاأتناول الشراب أسبوعا كاملا، فقد عن على بالي قتل هؤلاء الأسارى، فقال له ونحن بانتظارك حتى تحضر وتفعل فيهم مرادك، فقال لهم هاتوا زيدان لأسقيه كأس الهوان. فلما أحضروه صاح به يا جبان أنا أسألك عن أبي زيد أين هو الآن؟ فقال له غدا يأتي ويقتلك، فقال له سأقتلك وأقتله وأقتلد حسن ودياب وآخذ منك الثأر وأكشف عني العار.

فقال له زيدان: يا أبا بشارة ليست الشجاعة والبطولة في السحر إنما الشجاعة تظهر في ركوب الخيل. هات جوادا وعدة جلاد ودع قومك كلهم يقابلوني في الميدان يا كلب يا جبان.

فقال أبو بشارة له: يا نذل من قتل ابن عمي أنت أم أبو زيد أم دياب؟

فقال زيدان لا أعرف ذلك وأنا ياما لي وقائع ومهالك، قال له زيدان أعلم أن كل الذين قتلوا ما قتلهم غير دياب، وأما أنا وأبو زيد ما قتلنا أحدا، فقال أبو بشارة هاتوا دياب ومن معه حتى ننظر، فساروا في الحال وأحضروا دياب وبقية الأبطال، فحينئذ التفت أبو زيد إلى دياب وقال له من قتل أولاد عمي؟

فان زيدان يقول أنت قتلتهم، أفـدنـي بالجواب قبل أن أعلي رأسـك بهذا الحسام! فأجابه إعلم يا أبا بشارة أن المكتوب يقرأ من عنوانه، انظر إلى كلام زيدان تحاكيه بالدرهم وهو يجاوبك بالقنطار هذا كلامه في هذه الأمصار فكيف يكون في البراري والقفار، والله ما أنحبس منه إلا أبو زيد الفراس العنيد وهؤلاء الذين عليهم الكلام، فقال أبو بشارة والله ما فيكم واحد مقصر وكلكم أنجس من بعضكم البعض، أنت مثل الحية تلسع وتخبي رأسها.

ثم قال ارموا ديابا فرموه حالا فأخذ العصا وقام ليضربه فقال له زيدان مكن يدك يا أبا بشارة، فقال دياب ويلك يا زيدان كيف يهون عليه الأمر وأبوك غانم وأخوك دياب؟ فقال أبو بشارة لزيدان هل هو أخوك؟ فأجابه نعم من فرد أم وأب ولكن اقتله لأنه هو الذي قتل رجالك وألقانا بين يديك، فقال دياب والله يا أبا بشارة صاحب اللسان غلب صاحب الإحسان والله ما يستاهل القتل غير زيدان وأبي زيد لأنهما قتلا اولاد عمك، وهذا زيدان ترباية ذلك الشيطان، فقال أبو بشارة أنت تربية أبي زيد وتجعل نفسك مسكينا، فأجاب زيدان نعم أنا تربية أبي زيد ولابد ما يعدمك روحك فقال الأمير حنا لأبي بشارة أقتل هؤلاء الأسارى فقال له طول بالك يا ملك ولا تعرف قتلهم إلا مني ولكن لاتقتلهم حتى أجيب أبا زيد ونذبحهم سوا، فلما سمع حنا كلامه قال افعل مرادك، عندها التفت أبو زيد إلى القاضي وقال أنت قاضي العرب؟ قال نعم قال أنت قلت لقومك أن يقتلوا عباد النار لأبي حتى قتلوا أمراءنا وفرساننا فقال له قتلهم حلال في كل المذاهب لأنه لا يبعبد إلا الله تعالى، فقال مرادي أرمي عليك مسائل، فقال اسأل عما شئت،، فقال أخبرني عن شجرة فيها اثنا عشر غصنا في كل غصن ثلاثون ورقة وفي كل ورقة خمس ثمرات، اثنتان لونهما أبيض وثلاث لونها أسود، فقال هي السنة والأشهر والأيام والصلوات الخمس فقال له أخبرني كم بين السماء والأرض، فقال خمسمائة عام فقال زيدان بقي عليك أن تسأل ديابا وان ما عرف يجاوبك اقطع رأسه فقال دياب ويلك يا زيدان أما أنا أخولك لا شك أنك ابن لئام أنت وأبو زيد قتلتم بدريس فان قتلوكم يكونوا أخذوا ثأرهم وأشار يقول:

دياب غنى قصيدا من ضمائره
ودمع العين عالخدين طوفان
يا أهل المروءة اعفو اليوم عن قتلي
ان كنت تقتل قوم اقتل زيدان
هذا وأبو زيد قتلوا أعمامك
وخلوا الفوارس في بلا وأحزان
ونحن ياأبو بشارة قوم اقتلنا
أنا وبدير مع ابن سرحان
وان كان زيدا ما يعرف سؤالك
مايعرف اللغز إلا أخي زيدان
واقتل أبو زيد الهلالي سلامة
اقتله يا أمير بحد يمان
أنت صاحب العزة والمجد والعلا
واجمع عليهم يا أمير فرسان
ترمى علينا مسائل لانعرفها
أنت صاحب الصيوان والعمدان



فلما انتهى دياب قال أبو بشارة أنت تقول ما قتلته وحسن والقاضي وزيدان يقولون ما قتلوا أحدا، ومرادي أعلم من الذي قتلهم أخبروني وإلا قتلتكمفي الحال، فقال له دياب ما أحد قتل أعمامك سوى أبي زيد والأمير زيدان ويلك يا دياب من قتل بدريس والخزاعي غيرك! فأنت تعمل عمايلك وتتهمنا، ثم أنشد يقول:

قال زيدان قصيدة من ضمايره
أبيات كالدر موزونة بميزان

وحق عيسى وموسى والنبي محمد
قولي صحيح ما فيه بهتان

دياب هو الذي قتل ابن عمك
قتل بدريس بسيفه وسنان

أيضا قتل الخزاعي ما اختشى منه
أكيد ياأبو بشارة ما أنا وهمان

حنا يا ملك صهيون قوم اذبحه
واجعل دمه فوق الثرى غدران

بحياة رأسك تشفي خاطرك منه
هذا يقيم الفتن كأنه الشيطان

وهذه المسائل يحلها دياب بسرعة
وأن ما عرفها اجعله اليوم قربان



فلما فرغ زيدان من كلامه والجميع يسمعون نظامه، فقال حنا كيف يا أبا بشارة دياب يقتل أهلنا ورجالنا وأنت ساكت عنه بحياتي عليك تشفي خاطري منه، فقال ارموه تحت الضرب، فرموه وقام أبو بشارة والعكاز في يده ومال عليه حتى كسر أجنابه، والتفت إلى القاضي وقال له: مرادي أرمي عليك مسائل ان ما أحببت عنها ضربتك مثل رفيقك، فقال له سل عما تريد، فقال أخبرني كم طيرا نزل بالكتاب؟ فقال له تسعة: الذباب والنمل وطير الأبابيل والجراد وطير عيسى وهو الخفاش والغراب والهدهد والصفا واللهو وهو السمك، قال أخبرني عن طير يمني ويحيض وعن شئ إذا حبس عاش وإذا شتم الهوى مات، فقال له أما الطير فإنه الوطواط وأما الثاني فهو السمك ثم أن القاضي التفت نحو أبي بشارة وقال مرادي أسألك سؤالا قال سل عما شئت فقال أخبرني عن شئ كان حلالا ثم صار حراما؟ فقال له البيضة حلال وإذا وضعت تحت الفرخة صارت حراما، فقال القاضي أخبرني يا أبابشارة عن رجل قام إلى الصلاة سلم عن يمينه وجب عليه مائة دينار وسلم عن شماله طلقت زوجته ونظر إلى موضع سجوده بطلت الصلاة.


( قال الراوي ):

فلما فرغ من كلامه والقاضي بدي نظامه، فقال له عفاك الله يا أمير على هذا العلم، لكن يا حيف كيف تكون عابد النار ويكون عندك هذا العلم ! ؟
فضحك وقال يا قاضي خلص روحك والا أقتلك أنت ورفقاءك، فقال القاضي أريد أن أسألك سؤالا فقال قل ما شئت قال أخبرني عن خمسة أرواح أكلوا وشربوا وليس لهم أم ولا أب، فقال له أنا ماعرفت سؤالك ثم التفت أبو بشارة إلى رفقائه وقال أجيبوا سؤال هذا المسلم، فقالوا لم نعرف سؤاله فقال ياقاضي ما عرفنا سؤالك فاشرحه لنا وخذ لك خمس دجاجات محشيات رز وصنوبر، وكان أبو زيد مراده يطعمهم لحما حتى ترد روحهم إليهم، فقال له بدير يا أمير هؤلاء هم آدم وحواء وكبش اسماعيل وعصا موسى وناقة صالح فقال أبو زيد أخبرني عن موضع لايجوز فيه الصلاة، فقال له ظهر الكعبة، فأمر أبو زيد بأخذهم إلى موضوعهم فأجابوه بالسمع والطاعة وأما أبو زيد رتب لهم كل يوم خمس دجاجات ومازالوا على هذا عدة أيام.
وفي ذات يوم من الأيام قال أبو زيد يا أمير حنا مرادي أسير إلى بني هلال وأقتل أبطالهم ورجالهم وأدعهم بأوشم حال وأقتل أبازيد ونبقى ندبر أمرا في هلاك الجميع ثم أشار يعلمه في هذا القصيد يقول:

هذه المحابيس يوم العيد نذبحهم
وأجعل دمـاهـم في الأرض طوفـان
وجيب أبو زيد الماكر وأشنقه
ويشوفوا العـذاب أشـكال وألـوان
وحياة ديني لا جعل قتله شهرة
وأجلي صدى القلب وأكشف الأحزان



فلما فرغ أبو زيد من كلامه والملك حنا يسمع نظامه قال افعل ما تريد، فقال أبو زيد مرادنا في هذه الليلة أن نعمل كيفية فقالوا حبا وكرامة وما كان إلا برهة من الزمان حتى حضر الخمر فقالوا لاأحد يسقينا غير أبي بشارة، لأن يده مباركة فقام المذكور وصار يسكب الخمر ويسقيهم حتى سكروا فتركهم أبو زيد وسكر عليهم الباب وسار حتى وصل إلى أمراء بني هلال وفتح باب السجن ودخل عليهم وقال: قوموا! ولما رأوه ارتعدوا منه وقالوا نحن في جيرتك يا أبا بشارة فقال لا تخافوا أنا لست أبا بشارة أنا أبو زيد وعليكم الأمان فقالوا لله درك يا أبا شيبانن ولولاك متنا في هذا المكان ولكن احذر من أبي بشارة لربما يعرفك! فقال لهم كونوا براحة بال من هذا الأمر ولازم أذيقه كأس الحمام فطيب خاطرهم ورفع عن وجهه اللثام وحدثهم بما جرى بينه وبين أبي بشارة وبما فعل بهم، فلما سمعوا منه هذا الكلام، شكروه فعند ذلك تقدم إليهم وفكهم من وثاقهم وأخذوا يقطعون البراري والآكام، حتى وصلوا لقومهم ففرحوا بهم فرحا شديدا ما عليه من مزيد وطلعوا لاقوهم بالطبول والزمور وشكروا الأمير أبا زيد على تلك الفعال التي تعجز عنها الصناديد الأبطال وسلموا عليهم وقدموا لهم الطعام.


( قال الراوي ):

هذا ما كان من أمر بني هلال وأما ما كان من أمر حنا والأبطال فظلوا سكارى إلى الصباح تفقدوا الأسارى، فما وجدهم وفتشوا على أبي بشارة فما وجدوه فحينئذ علموا القضية ثم صاح حنا في الفرسان وأمرهم أن يركبوا الخيل فركبوا الخيل فركبوا ظهور المهارة وجدوا في قطع الصحارى طالبين بني هلال ومازالوا مجدين في سيرهم حتى قاربوا الأرض التي فيها بنو هلال، فقال لهم الوزير وأخوه مرقص، خذوا أهبتكم للقتال، واستعدوا للحرب والنزال، فقال حنا وأين هم بنو هلال؟ فقال جرجس إذا قمنا هنا إلى وقت السحر وسرنا بلا مهل نصف النهار، نصل إلى بني هلال، وفيما هم على ذلك وإذا بخيل بني هلال طلعت ولمعت رماحها في شعاع الشمس وفي أوائلها أبو زيد ومن وراه دياب وحسن والقاضي وزيدان وفرسان الحرب والطعان، فتبادرت اليهم عساكر جرجس وحنا وصاحوا بهم فارتجت لصياحهم الوديان فحمل عليهم دياب بدون جواب فتلقاه فارس يقال له الدهقان وتجاول هو وإياه ساعة من الزمان، فحكم دياب عليه السنان وطعنه في صدره خرج يلمع من ظهره وكان معه عشرة من الفرسان، فلما نظروا ما حل به، حملوا على دياب فتلقاهم كأنه الأسد وفي أقل من ساعة قتل سبعة فرسان وانهزم الباقون وهم ينادون أنقذونا من الجن، فقد حل بنا العطب وأنت قم يا حنا وقاتل الجان فقد برز إلينا من هؤلاء القادمين شيطان بصورة انسان، فقتل مقدمنا دهقان وسبعة من الفرسان، فلما سمع حنا هذا الكلام، صعب عليه وكبر لديه وقال لهم كأن هؤلاء القوم ماعرفوكم ولو عرفوكم ماكانوا حاربوكم وإن صدقني حزري فما هذا الجيش إلا مع أبي زيد وأظن أنه لما خلص الأسرى سار إلى العرب واتانا للطلب والآن يحل بهم العطب ثم أنه غار عليهم ولما وقعت العين على العين علا الصياح من الفريقين ووقع السيف بين الطائفتين ونادى حنا تظنون أني أترك لكم مالي وما قتلتم من رجالي اليوم أبلغ منكم مأربي وآمالي فلما سمع أبو زيد كلامه قال له ويلك يا فاجر لمثلي تفزع هؤلاء الأنذال وأنا أبو زيد قدم الأفيال! ثم أمر رجاله بالحملة فحملوا من غير إمهال ووقع بينهم القتال ساعة من الزمن فوقع بقوم حنا الفناء والدمار وخا منهم الأمل وأيقنوا بحلول الأجل، وخاضت بنو هلال الغبا وأبروا الرقاب وطعنوا الصدور وقاتلوا قتال الجبابرة فلله در أبو زيد وما فعل ودياب وقد استقتل وسطا زيدان سطوة البطل ونزل الأمير حسن بين تلك الأمم حتى التقى في الوزير مرقص أخو جرجس فرآه ينخى الفرسان، فأقبل عليه وطعنه بصدره بالرمح، خرج يلمع من ظهره، فما نظرت قوم حنا إلى مرقص وهو قتيل، تصايحوا على حسن وأسعروا نار الحرب وسالت الدماء وتطايرت الجماجم وخلت السروج من ركابها وكحلت الأجفان بموارد العما وثبتت عسار الملك حنا واجتهدت برد أعدائها فما قدرت، بل هالها ما رأت وانحلت عزائمها وتفرقت، ولم يزل السيف يعمل والدم يجري إلى أن أمسى المساء، فعند ذلك دقت طبول الإفتراق وكفوا عن الحرب وكل فريق ذهب إلى مكانه، أما عساكر حنا فصاروا يقولون أن كان الأمر على هذا الشأن فهذه مصيبة لاترد إلا بكثرة الفرسان وأما بنو هلال فإنهم هنأوا بعضهم بعضا بهذا النصر وباتوا تلك الليلة مسرورين ولما أصبح الصباح نهضوا للحرب والكفاح وإذا بالوزير جرجس بقلب لايهاب وقال له لو لم تكن جاهلا لما دخلت هذه الأوطان وطلبت قتالنا في شرذمة من الفرسان فسلم نفسك قبل الفوات، فضربه دياب على هامه، فلما نظر ملكهم حنا إلى وزيره وهو قتيل، صاح في قومه ائتوني بهذه العصابة القليلة حتى أشفي غليلي فحملوا عليهم من كل جانب، فالتقتهم بنو هلال كالأسود وانطبقوا على بعضهم البعض وغطت الدماء وجه الأرض وأبو زيد ينثر الرؤوس ويبلي الفرسان بعد وجودها بالعدم فوقع في معسكر حنا التقصير ولما نظر إلى عساكره قد انكسرت وبنو هلال قد انتصرت، نادى في العساكر يشجعهم على الثبات، فانطبقوا على بني هلال انطباق الليالي على الأيام وحمل حنا بأوائلهم وأخذ ينخى الفرسان فألقى به أبو زيد فحمل عليه وضربه بالحسام بين عينيه، خرج من بين فخذيه وأما دياب وبقية الفرسان فإنهم فرقوا الكتائب وأظهروا العجائب ولما رأت عساكر الأعداء ما حل بملكها من الدمار ولت الأدبار وركنت إلى الفرار والتجأت إلى القلعة، فتبعهم أبو زيد والفرسان فطلبوا الأمان فأعطاهم الأمان ورتبوا عليهم الجزية في كل عام ورجعوا إلى مضاربهم كاسبين غانمين وفرق الأمير حسن ما غنموه على الجميع وأقاموا على شرب القهوة وأكل الطعام مدة ثلاثة أيام، وبعد ذلك صمموا على الارتحال فهدمت الخيام وانتشرت الرايات والأعلام وركبت الفرسان ظهور الخيل والنساء والبنات في الهوادج، وجدوا في قطع البراري والآكام حتى وصلوا إلى حمص، فأقاموا فيها خمسة أيام وكانت تأتيهم الهدايا من جميع الولاة والحكام، ثم ارتحلوا إلى بعلبك ومنها إلى زحلة، فطابت أيامهم لأنهم كانوا يصرفون الأوقات في السرور والطرب، ثم ساروا قاصدين مدينة الشام فوصلوا إليها عند الظلام ونصبوا بقربها المضارب والخيام.


قصة شبـيـب التبعي





( قال الراوي ):

ان بني هلال بعدما قتلوا أبا بشارة العطار حاكم بلاد صهيون، جدوا في قطع الفلوات حتى أقبلوا على مدينة الـشـام وكان الحاكم عليها شبـيـب التبعي ابن مالك، وكان رأى حلما في المنام أرعبه، فجمع أكابر الديوان والأعيان وقال لهم رأيت في منامي أنه أتى إلى هذه البلاد سباع مثل الجراد، وكان كل سبع يأتي إلى شجرة يقلعها بأنيابه ولا يبالي بالأخطار، وكان لهذا الملك وزير اسمه عميرة.

فلما فرغ الوزير من تفسير حلمه استعظم شبـيـب هذه الأمور وكان قد بلغه قدوم بني هلال إلى قرب الشام فزاد اهتماما على اهتمام، لأن أبا زيد كان عند رجوعه من تونس ومروره إلى الشام قد استخلص من دار شبيب سرية عربية واسمها قنوع العامرية لما مر به وسار بها نحو بني هلال، فتأثر شبيب من هذه الأفعال فاستدعى بنجاب وأمره أن يسير في الحال ويكشف له أخبار بني هلال، فسار ودخل على بني هلال، فأضافوه ثلاثة أيام، ورجع لعند سيده وصار يخبره بما جرى له شعرا.

فلما سمع شبيب الشعر والنظام صار الضيا في عينيه كالظلام فقال لمن حضر في الديوان، ما رأيكم في هذا الشأن لأن بني هلال حضروا إلى هذه الأطلال بعساكر كعدد الرمال، فقالوا الرأي قبل المبادرة بالقتال أن تطلب منهم عشر المال، فان أجابوك الى هذا الطلب بلغت القصد والأرب، وإلا تحاربهم وتشتتهم في البر فاستصوب شبيب رأي القوم وأرسل يطلب منهم عشر المال.

وسطر بذلك كتابا وختمه وأرسله مع نجاب الى الأمير حسن، فأخذ الكتاب وسار الى أن وصل الى الأمير حسن، أعطاه الكتاب، فلما فتحه وقرأه، قال: لاحول ولا قوة الا بالله، ثم جمع بني هلال وقال ما هو رأيكم؟ فقال الأمير أبو زيد والأمير دياب ليس عندنا جواب الا الحرب، فحينئذ قال الأمير حسن للرسول اذهب الى مولاك شبيب وقل له أني سأرسل له الجواب في وقت قريب وبعد ذهاب النجاب، نهض أبو زيد وقال اعلم أيها الملك الهمام أن شبيب ملك دمشق الشام استعد لمحاربتا والرأي والصواب ان أسير مع بعض الفرسان إلى تلك الديار لكشف الأخبار والوقوف على عدد العساكر والأبطال التي تجهزت للحرب والقتال وذلك بصفة شعراء، لعلنا نبلغ المقصود، فاستصوب الأمير حسن هذا الكلام واستقر الرأي على مسير أبي زيد ودياب وعرندس والرياشي مفرج وأبي الليث الكندي إلى تلك الديار، ليجسوا الأخبار، وفي ثاني يوم استعدوا للمسير وجدوا في قطع البراري حتى وصلوا الى دمشق الشام، فدخلوا بسلام وقصدوا الأمير شبيب حتى دخلوا عليه وسلموا عليه، وكان جالسا على كرسي مرصع بالجواهر يدهش العقل ويذهل البصائر، وحوله الأتباع والخدم، فرد عليهم السلام وقال من تكونون من العرب أيها الأجواد؟ فقالوا نحن شعراء نقصد الملوك والأمراء، فنمدحم بالقصائد الحسان ونرجع بالخلع والإحسان، وقد سمعنا بجودك ومكارم أخلاقك وحسن مزاياك، فأتينا إليك لنمدحك وننقل ثنال ونرجع مجبورين الخاطر للديار، ثم أن أبـا زيـد عدل الرباب وصار يمدحه:

يقول الفتى المدعو سلامة
بدمع جرى فوق الخدود سكيب
ركبنا وجينا ياأمير على نقا
من فوق نوق شبه ريح رهيب
فقلنا لها يانوق أين مسيركم
فقالت إلى نحو الأمير شبيب
شبيب بن شيبان بن مالك
أمير البوادي والبلاد شبيب
شبيب الذي كل البلاد عياله
ونحن يقينا من عيال شبيب
شبيب فتى لايوجد في الترك مثله
ولاربت العربان مثل شبيب
ياأمير أعطنا ولك منا الثنا
فنثني عليك عند الضحى ومغيب



فلما فرغ أبو زيد من كلامه شكره شبيب على حسن نظامه ثم أنه صرف معهم هذا النهار في الحديث والأخبار، ولما أصبح الصباح، استعد شبيب إلى الصيد مع الفرسان وابنه صقر، فالتفت شبيب إلى الشعراء وقال لهم: لماذا لا تركبون معنا؟ فقالوا هو عدم وجود الخيل، لأن مطايانا لاتصلح للركوب في الوعر والسهول، فأمر لهم شبيب بخمسة أفراس من الخيل فذهبوا مع السايس إلى الإسطبل وجعل أبو زيد ينظر في الخيول فلم يعجبه سوى جواد شبيب وهو غطاس وكان أبو زيد قصد بهذا العمل، اكتشاف خيول شبيب، فعاد السايس وأعلم شبيب بذلك الخبر، فقال له أعطه إياه إن كان يقدر يركبه، فعاد السايس إلى أبي زيد وقال له: إعلم يا شاعر العرب أن هذا الحصان هو جواد الأمير شبيب الغطاس فلا يقدر أحد منا أن يقرب منه فخذه إن كنت تقدر عليه، فتقدم أبو زيد إليه، فصهل الحصان حتى زعزع المكان، فلطمه أبو زيد بالكف بين عينيه وسرجه، وركب عليه وسار إلى عند شبيب، فتعجب منه كل العجب وقال في نفسه وحق ذمة العرب أن هذه الأفعال لا يقدر عليها الشعراء، بل صناديد الأبطال وقد تأثر من ذلك الأمر ثم أنهم ساروا في جوانب البر وصاروا يصطادون حتى صار وقت العصر، فارتدوا راجعين قبل دخول الليل.













عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:40 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

( الجزء العاشر من تغريبة بني هلال )
في أثناء طريقهم، جعل شبيب ميدانا لسباق الخيل، فامتثلت لأمره الفرسان وجعلوا يتسابقون في الميدان، فعلم أبو زيد على الجميع بالسيف والسنان، حتى حير العقول وأذهل الأبصار، فرجعوا إلى البلد ونزل أبو زيد في دار الضيافة مع جماعته، وكان للتبعي رمال اسمه عكرمة، فاجتمع به على انفراد وقال له أريد أن تعلمني عن هؤلاء الشعراء، هل هم جواسيس؟

فقال السمع والطاعة، ثم أحضر الرمل وولد البنات مع الأمهات وجعل يعلم ببعض الأبيات.

فلما فرغ الرمال من الشعر، عرف شبيب فحوى الحديث والكلام، فغضب غضبا شديدا ما عليه من مزيد، وفي الحال أحضر أبو زيد ومن معه من الرجال وصاح فيهم أتيتم أيها الأشرار إلى هذه الديار لتجسس الأخبار ونسبتم أنفسكم بأنكم شعراء تمدحون الملوك والأمراء فلا بد من قتلكم!

ثم أن الأمير شبيب أمر العبيد أن يأخذوهم إلى المشنقة، فامتثلوا أمره وأخذوهم ودوروهم في المنازل والأطلال، وبعد ذلك رجعوا إلى المشنقة وأرادوا أن يشنقوهم وإذا بصقر ابن الأمير شبيب أتى ونزل عن ظهر الجواد وقطع المرس ومن رقابهم، فوصل الخبر إلى شبيب، فأحضرهم عنده في الديوان، ووبخ ولده على هذا الشأن وقال هؤلاء من بني هلال أعدائنا، أتوا إلى منازلنا ليقتلوا الرجال ويدعونا بأوشم الأحوال، قال له صقر ليس عندي خبر هذا الأمر وقد جرى وصار فشفعني في هؤلاء الشعراء ولاتبطل كلامي وتنقص بين الشباب مقامي، وإذا قتلتهم من دون سبب، فتبقى معيرة بين العرب، فقال شبيب نلقي عليهم مسائل وإذا لم يعرفوها نقتلهم، ثم أنه التفت إلى أبي زيد فقال له مرادي أحضر شعراءنا ليرموا عليك رموزا، فإن لم تعرفها فاني أقتلك وأعجل من الدنيا مرتحلك، قال أبو زيد افعل ما تريد يا ابن الأماجد، فعند ذلك أحضر الأمير شبيب شعراء بلاده وكانوا أربعة وعشرين شاعرا وكبيرهم يدعى صولجان بن ماهر، فلما حضروا أمرهم أن يرموا رموزا على أبي زيد ورفاقه فأجابوه بالسمع والطاعة، فالتفت أبو زيد إلى صولجان وقال له يا سيد الفرسان مرادي أن تبدي شعرك وقصيدك أن تأتي لنا بطعام حتى يصير بيننا خبز وملح، فأجابه بما قال وسار إلى بيته وأحضر إلى أبي زيد قصعة ملانة عصيدة وفيها ملعقة وقال كل يا ابن الكرام وادع لنا بدوام العز، فأخذ أبو زيد شقفة برأس الملعقة وذاقها فوجدها مرة مثل الحنظل قال هذا زادك لارحم الله شبابك يا ذليل يا مهان هات ما عندك من الأوزان، فعند ذلك تقدم الصولجان واخذ الرباب وبدأ يلعب حتى أطرب ذوي العقول والألباب أما أبـو زيــد فكان يرقب الكواكب، فرأى نجمه سعيدا ففرح بذلك فرحا شديدا ما عليه من مزيد، فلما رآه الصولجان ينظر في الكواكب ظن أنه ينظر الى بنات نعش فقال شعرا، فرد عليه أبو زيد بشعر فهم فحواه.

فلما فرغ أبو زيد من كلامه وشاعر طي نظامه تعجبوا من ذكاء أبي زيد وما عاد الشاعر يعرف يجاوبه فاغتاظ شبيب غيظا شديدا ما علي من مزيد وحلق ذقن الشاعر وطرده من عنده والتفت الى أبي زيد وقال له بقي عليك أن تغلب ستة أبطال ان غلبوك قتلت أنت ورفاقك، فأجابه ومن هم؟ فقال المصارعون والمشابكون والمدافعون ورمايو النشاب وحمالوا العلم وطباخو الكيميا، فقال له أبو زيد ان لم أغلبهم فإننا لا شك هالكون، ثم أنهم باتوا تلك الليلة الى الصباح، فقام شبيب واحضر كبير المصارعين وهو بطل رزين ليس له قرين، فلما رآه أبو زيد قال له ياأخا العرب دونك والطلب فلا بد أن أجعلك في التراب، فقال له المصارع دع عنك شقشقة اللسان يا ذليل يا مهان والان يظهر الشجاع من الجبان، فقال أبو زيد، اليوم عندي عيد بقتلك يا مهان، ثم نهض وأثبت الأقدام وأسرع إليه مثل الأسد الدرغام، والتقى البطلان كأنهما جبلان وحان عليهما الحين وزعق فوق رأسيهما غربا البين، قال وكان المصارع مخبئا حربة مثل الثعبان وهي شغل بلاد الروم مدخرها لمثل هذا اليوم فرآها دياب وقال: خذ بالك يا أمير من هذا الشيطان وانظر هذه الحربة التي كأنها نقمة، فقال أبو زيد رأيتها قبلك يا دياب وهذا اليوم أدعيه ملقى على التراب، ثم اصطدما وافترقا وابتعدا، ومازالا على هذا الحال مقدار ساعة من الزمان حتى هجم أبو زيد على المصارع وعرقله برجله رماه الى الأرض واتكأ على عنقه وظل كامشا عليه حتى خرجت روحه من بين جنبيه، ثم تقدم المدافق ودافق أبو زيد ساعة من الزمان، فالتقاه بهمة وعلو شأن، وضربه بالعصا على دماغه فطرش بزر مخه ومات فتقدم المشابك وشابك أبو زيد ففرك أنامله ولقطه من يده ملخها من الباط فتقدم رامي النشاب، فذهب أبو زيد ووقف في تلك الهضاب، وأما ذلك الرجل، فرشق أبو زيد أربعين رشقة فما أصابه شيء، ثم ضرب أبو زيد بنشاب فرماه على الأرض قتيلا وبدمائه جديلا، فعند ذلك تقدم حمالوا العلم فغلبهم وكذلك طباخو الكيميا طلعت طبخته أحسن من طبختهم، ثم التفت الى شبيب وقال له: يا أمير لك عندنا شئ بعد هذا الإنتصار، فاتركنا نذهب الى أهلنا، فقال له لا شك أنك عفريت من عفاريت سيدنا سليمان، ثم أمر الخدم أن يأخذوهم الى السجن، فأخذهم في الحال، ووضعوا في أرجلهم القيود والأغلال ووكلوا بهم جماعة من صناديد الرجال، وكان الأمير دياب ومن مع من الأصجاب في خوف واحتساب من القتل والعذاب، وقد قطعوا الأمل من السلامة، فجعل أبو زيد يشجعهم ويقول لهم أن الفرج قريب بعون الله السميع المجيب وأننا في هذه الليلة نذهب الى أهلنا وننال المأمول، فاطمأنوا وجعلوا يتحدثون حتى أظلم الظلام ونامت الحراس، فعند ذلك أخرج أبو زيد من الكيس حجر المغناطيس وألقاه على القيود والأغلال، فتساقطت في الحال، وقال هلموا بنا للذهاب فقد تخلصنا بإذن الله، فنهضوا في الحال وجدوا في قطع الروابي والتلال حتى وصلوا الى بني هلال وكان وصولهم عند الصباح، فدخلوا على الأمير حسن، فالتقاهم بالسرور والأفراح وقال الحمد لله على سلامتكم لأني كنت مضطرب الأفكار عليكم فأخبروني بأحوالكم وما جرى لكم مع شبيب في سفرتكم، فأخبروه بحديثهم، فشكروا الله على خلاصهم من الاعتقال وأثنى على أبي زيد نظرا لما أبداه من حسن الفعال، وبينما هم في هذا الحال الا وقد أتى عليهم مرسال من عند الأمير شبـيـب بكتاب يطلب فيه عشر المال وذلك بعدما تفقد المحابيس فلم يجدهم، فأجاب السلطان حسن بعد أن عرف حقيقة الأحوال وعرف ما عند شبـيـب من الفرسان يقول:

يقول الفتى حسن الهلالي أبو علي
فلي حربـة كالمشعـل الوقـود
ولي همة تعلوا على كل ماجد
أخلي الأعادي على الجبال شرود
تهيأ غدا أيا شبيب لحربنا
مـع كل أبـطالـك وكل جنود
فكم حاكم مثلك ملكنا بلاده
من بعد حرب يشيب المولود
تريد منا اليوم عشر أموالنا
فسوف ترى منا رجال أسود



فلما فرغ حسن من هذا الخطاب، طوى الكتاب وسلمه للنجاب وأمره أن يسير الى سيده بالعجل، فأجاب وامتثل، ولما دخل على سيده سلمه الكتاب، فلما قرأه غاب عن الصواب وفي الحال أمر العساكر والأبطال للاستعداد الى الحرب والقتال، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، دقت طبول الحرب واستعدت العساكر للطعن والضرب وركب شبيب في أول الفرسان وحوله الوزراء والأعيان وساروا الى قتال بني هلال وكانت بنو هلال قد استعدت في ذلك النهار، ولما تقابل الجيشان برز شبيب الى ساحة الميدان وطلب مبارزة الشجعان، فبرز اليه أبو زيد، فلما رآه شبيب حمل عليه وأنشد يقول:

يقول شبيب التبعي ابن مالك
صرفت كل الليل بالتفكير

أبو زيد يا أبو زيد يا ولد الخنا
فأنت ردي الأصل يا طنجير

ذهبت لأرض القيروان وقابس
ترود الأرض مثل لص حقير

رجعت الى أهلك أتيت بجمعهم
أخذت قنوع والظلام عكير

وبسوء فعلك قد حبست رفقاتك
وخبثك بين الأنام كثير

فوالله إني قاتلك بمهند
وأهرق دماك مثل نهر كبير

وأقتل دياب الخيل صبحا أو مسا
وأجعل حسن من ضرب سيفي يطير

أجاب أبو زيد الهلالي سلامة
ونيران قلبي زايدات سمير

أنا أبو شيبان قهار العدا
أفك رموز العلم بالتفسير

ولا فخر للمرء الا فعاله
وفرط السخا وكل فضل شهير

أنا الرجل الذي يبرد حربته
يوم الوغا في صدر كل أمير

اليوم تنظر حربنا وقتالنا
وفعالنا حقا بلا تنكير



فلما فرغ أبو زيد من هذا الشعر والنظام، انطبق الفارسان على بعضهما وأخذا في الحرب والصدام، وكان شبيب من الجبابرة، فقاتل قتال الأسود وفعل فعالا تشيب المولود، فثبت أبو زيد أمامه كالجبل الراسي والتقاه بقلب أقوى من الصوان، فكانا تارة يتقدمان وتارة يتأخران كأنهما أسدان كاسران، وقد تعجبت من قتالهما جميع الفرسان وتعلمت منهما حقيقة الضرب والطعان، وما زالا على تلك الحال الى قرب الزوال وكان أبو زيد قد انحل عزمه وقصر، فرجع الى الوراء فعند ذلك دقت طبول الانفصال، فافترقت العساكر من الميدان ورجع أبو زيد في أسوأ حال مما شاهده من الأهوال، فسأله الأمير حسن عن خصمه، فقال أنه فارس شديد وبطل صنديد، وأني قد بارزت الأبطال في معارك النزال، فما وجدت أفرس منه في القتال ولما أصبح الصباح وأشرق بنوره ولاح، ركبت الفرسان ظهور الخيل واعتقلوا بالرماح والنصول، واصطفت الصفوف وترتبت المئات والألوف فكان أول من برز الى ساحة الميدان وطلب مبارزة الفرسان الأمير شبيب، فبرز اليه الأمير دياب وهجم عليه كليث الغاب، فالتقاه شبيب في الحال والتحم بين الفارسين القتال، الى أن أقبل الظلام وكان الأمير دياب قد أبصر في ذلك النهار من قتال شبيب ما يذهل الأبصار ويحير العقول والأفكار فلم يقدر أن ينال منه المرام، فارتد راجعا الى الوراء ثم نزل الى الميدان القاضي بدير وتصادم مع شبيب نحو ثلاث ساعات، وكان القاضي قد كل ومل وضعف عزمه وانحل، فرجع وتأخر خوفا من وقوع الخطر، فبرز إليه الأمير زيدان وتقاتل معه في ساحة الميدان، وبعد قتال شديد وحرب ما عليه من مزيد، ولى الأمير زيدان من أمامه خوفا من حربه وصدامه، ثم تقدم غانم أبو دياب وتقاتل معه القتال الشديد وثبت ثبوت الجبابرة الصناديد، الا أنه لم يكن من رجاله ولا يعد من أقرانه، فما مضى ثلاث ساعات حتى طلب الهزيمة والفرار، فبرز إليه الأمير عرندس فجال معه وصال وتقاتلا في ساحة المجال الى وقت الزوال، وكان عرندس قد ضعف عزمه، فولى هاربا، وبعد ذلك دقت طبول الانفصال فرجعت عن بعضها الفرسان والأبطال وكانت بنو هلال قد اعتراها الانذهال وخافت من عواقب الأحوال، فلما رجعت الى الخيام جمع الأمير حسن الأمراء الكرام واستشارهم في أمر شبيب فقالوا أنه فارس جبار وبطل مغوار لايصطلي له بنار هجماته هجمات الأسود وقلبه أقوى من الجلمود ومن الصواب أن نحاربه غدا بالعسكر ونترك مبارزته الى يوم آخر، بينما يكون تعب من القتال، فحينئذ تبرز إليه الأبطال، فاستصوب الأمير حسن مشورتهم وباتوا تلك الليلة على هذه النية وفي قلوبهم نار الحمية، ولما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، استعدت بنو هلال للحرب والقتال فدقت الطبول وركبت الفرسان ظهور الخيول واعتقلت بالرماح والنصول، وركب الأمير حسن وتبعته جميع أبطاله وفرسانه، وكان شبيب قد التقاهم بالعسكر، فعند ذلك حمل وصاح وحملت معه فرسان الكفاح، وفي الحال التحم القتال وكانت بينهم وقعة عظيمة، قتل فيها خلق كثير، ولله در أبو زيد والأمير دياب، فانهما هجما على الرجال وكما السيوف في الصدور والرقاب ونكسا البيارق بطعن أشد من نزول الصواعق، وفعل شبيب أيضا في ذلك النهار العجب وألقى نفسه في العطب، وداموا على تلك الحال الى وقت الزوال، فعند ذلك دقت طبول الانفصال، فرجعت الفرسان والأبطال، وفي اليوم الثاني، اصطفت الصفوف وترتبت المئات والألوف والتقت الرجال بالرجال والأبطال بالأبطال وكان يوم شديد الأهوال، انتصرت فيه عساكر الشام وأسرت فيه عدة من البنات والنسوان ولما أقبل الظلام رجعوا وباتوا في الخيام وفي الصباح برز الأمير حسن الى الميدان فبرز له شبيب.

فانطبق عليه الأمير حسن كليث الآجام فالتقاه التبعي بالحسام وتجاول معه في معركة الصدام حتى حسبهما الغبار عن العيون والأبصار، وما زال الأمير حسن يحارب شبيب حتى أبصر منه الأهوال فقال له دعنا الآن من القتال وفي الصباح نعود الى المبارزة، فتبسم شبيب وقال أنا أمهلك ثلاثة أيام، ثم رجع عن القتال، وعند رجوع حسن قالت له الجازية لم رجعت والعرب ليس لها رجعات في الوقائع والغرات، فتحمس الأمير حسن ورجع الى خصمه وطعنه طعنة نهمة وحمية فأصابته في رقبته ووقع عن ظهر الجواد فأدركه قومه في الحال ونشلوه من ساحة المجال وهو يقاسي الألم والأوجاع، هذا وقد ارتدت العساكر على بعضها البعض، واقتتلوا قتالا شديدا كثرت فيه الأهوال وجرى الدم وزاد الخوف وعظم البلا وتمددت القتلى على وجه الفلا، واستمر القتال على هذا المنوال الى وقت الزوال، وكانت بنو هلال قد حلت أسراها من الأسر والاعتقال بضرب السيف وطعن النصال، فعندها دقت طبول الانفصال فارتدت عن بعضها الفرسان ورجعت بنو هلال في فرح واستبشار على ذلك النجاح والانتصار، وأما الملك شبيب لما رأى حاله طريح الفراش، زاد عليه الخوف والارتعاش، واسودت الدنيا في عينيه ولا سيما عندما رأى الأهل والأصحاب في عويل وانتحاب، فتنهد من فؤاد متبول.

ثم غاب عن الدنيا لكثرة آلامه فوقع في قومه البكا والنحيب، هذا ما كان من أمر شبيب، وأما ما كان من بني هلال فان الأمير حـسـن جمع سادات الرجال وقال لهم مرادي هذا الصباح أبادر الأعادي بالقتال والكفاح، فقال أبو زيد تمهل فسوف تبلغ القصد والأمل وأنا مرادي عند طلوع النهار أن أدخل المدينة وأنا بصفة طبيب لعلي أجتمع بشبيب فيفرح قلبي ويطيب، فقال حسن افعل ما تريد أيها الفارس الصنديد، فعند ذلك سار أبو زيد الى مضربه ولبس أفخر الحلل وتعمم بعمامة كبيرة ولبس جبة قصيرة وغسل وجهه ببعض العقاقير، فصار أبيض مثل الثلج حتى لم يعد يعرفه أحد من النام، ثم ركب ظهر فرس أصيلة ودخل مدينة الشام وجعل يجول في الأسواق وهو ينادي أنا الطبيب أنا الحكيم، فمن فيه علة أزلتها عنه بإذن الله، وما زال يطوف ويجول وينادي ويقول أنا الحكيم أنا الطبيب، حتى وصل الى قصر شبيب، وكان لشبيب ولد مثل البدر يقال له صقر، فاتفق أنه كان هناك وسمعه فقال في نفسه أن هذا الطبيب رجل غريب ولو لم يكن من الشطار والحذاق ما كان يطوف في الأسواق، فمرادي أن يداويه لعله يشفيه، ثم طلبه فحضر وسلم عليه، فسأله: هل أنت حكيم؟ قال: نعم. قال: اذا شفيت أبي وأزلت عنه المرض، أغنيك الى الأبد، وقدمتك على جميع أطباء البلد. فقال سأبذل الجهد وأداويه ولا أخرج من هذا القصر حتى أشفيه، ففرح كل من حضر هنا بهذا الخبر وزال عن قلوبه الغم والكدر، ولم يعلموا بأن الطبيب هو عدوهم الأكبر، ثم تقدم أبو زيد الى الى شبيب في صفة حكيم وطبيب وهو يترقب الفرصة ليقتله، وكان رأس شبيب معصوبا بمنديل وهو يتنهد من قلب عليل، ففك العصبة ومسح الدم ووضع له المراهم وقال: زالت الأضرار بإذن الواحد القهار، فاتفق أن شبيب فتح عينيه فرأى أبا زيد حوله، فخاف وأيقن بالموت الأحمر، فصاح من حلاوة الروح بصوت خفيف: هذا أبو زيد! ! هذا أبو زيد! ! فقال الحاضرون ما يقول شبيب أيها الطبيب؟ قال يريد أن تملأوا السراج زيتا وتخرجوا جميعا من البيت حتى يستريح ويزول عنه البأس، لأن العليل تضيق أخلاقه بكثرة الناس، ففرحوا وخرجوا من القاعة، ولما خلي المكان، أخرج أبو زيد من جنبه السكين، وذبح شبيب من الوريد الى الوريد، ثم غطاه لفوق رأسه وخرج، فسألوه من حال شبيب فقال أنه بخير، فلا تدخلوا عليه الا بعد ساعة لبينما يكون قد صحي من النوم ولابد من أن يشفى من علته في هذا اليوم لأني عالجته بأحسن علاج، فلا تكونوا في قلق وانزعاج، فشكروه على ذلك الاهتمام ووعدوه بالخلع والأنعام، ثم ودعهم وسار، وأما زوجة شبيب وباقي الجماعة، فانهم بعد ذهاب أبي زيد بساعة، دخلوا على شبيب فوجدوه على تلك الحال، فخرجوا عن دائرة الاعتدال وعلموا أن الطبيب كان أبو زيد المحتال، فاستعظموا الأمر وأقاموا العزاء والنحيب على وفاة شبيب وهم يلعنون ذلك الطبيب، وكان لشبيب أخ اسمه الصحصاح، وكان من الأبطال، فاسودت الدنيا في عينيه وقال لا بد لي أن أتبع هذا الغدار وأسقيه كأس الدمار، ثم سار وراءه وهو يهدر كالأسد الى أن التقى به قرب طاحون، فلما نظر أبو زيد عرف أنه الصـحـصـاح وأنه يريد قتله، فدخل على الطاحون وغير لونه بالأعشاب ونزع عنه تلك الثياب، ثم خرج ووقف على الباب، فلما وصل الصحصاح اليه سأله في قلب محزون أعلمني أين صاحب هذه الفرس؟ فقال له في الطاحون فنزل عن الحصان وسلمه الى أبي زيد ثم سل سيفه ودخل الى الطاحون فلم يجد سوى الطحان هناك فضربه أورثه الهلاك وخرج في الحال وهو يظن أنه قتل أبا زيد فوجد أبو زيد على ظهر الحصان وقال له من تكون فطعنه أبو زيد بالرمح في صدره خرج يلمع من ظهره ومات، فسار أبو زيد وهو مسرور على ما فعل حتى دخل على الأمـيـر حـسن في الصيوان وحوله الأمراء والأعيان فأعلمه بما جرى وكيف قتل شبـيــب والصحصاح ورجع بالفوز والنجاح، فشكروه على ذلك الاهتمام وقالوا لا عدمناك يا فارس الصدام، فقد هان علينا الحال وبلغنا المرام، وشوف نبادر الأعداء بالحرب والصدام.

هذا ما كان من بني هلال، وأما ما كان من أهل شبيب، فانهم لما علموا بقتل الصحصاح، زاد عندهم النواح، وأحضروه لجانب أخيه، وأقاموا عليهما النحيب، فتقدمت جنوب زوجة شبيب ترثيه بهذه الأبيات:

تقول جنوب الحميرية بما جرى
بدمع جرى فوق الخدود سكيب

الأيام والدنيا كفى الله شرها
ومن عاش فيها ينظر التنكيب

فما أضحت الا أبكت بعد ضحكها
فيا لها من حسرة بعد شبيب

شبيب الذي فرقع له الرعد بالسما
وصاحت ديوك العرش مات شبيب

شبيب الذي ما ربت الترك مثله
وما ربت الدايات مثل شبيب

شبيب الذي يلقى الضيوف بفرحة
ومسرة ولو كان الزمان جديب

فيا ليت من كان السبب بفارقنا
يقتل بحد الماضيات قريب

الا ياحمام النوح نوحوا واندبوا
وابكوا على فقد الأمير شبيب

يا هل ترى الأيام عادت تلمنا
وتجمعنا به بوقت قريب



فلما فرغت من هذه المرثية، جعلت تبكي وتنوح وتلطم خدودها من شدة الأسف وتقول، والله لقد انهدم بعد شبيب العز والشرف، فبكت الناس لبكاها وعزوها ما دهاها، ثم أجلسوا شبيب على كرسي من الذهب الأصفر مرصه بالدر والجوهر، وألبسوه عدة الحرب وتقدمت البنات والنساء والأمراء والسادات، وبكوا عليه حتى كثر الصياح وارتفع البكاء والنواح، وتقدمت جنوب وقبلته بين عينيه وقالت باطل يا أبا الخنساء، لماذا أنت نايم يا مقري الضيوف؟؟ قم وانظر الى هؤلاء الأمراء الذين جاوا لضيافتك، فمالك لا تقوم بواجبهم؟ ثم سحبت خنجرا وصارت ترقص وتقول أنا من بعدك لا أريد الحياة وبسرعة جنونية أغمدت الخنجر في بطنها، فحينئذ ضج الجميع في العويل وكثرت الولاويل ثم دفنوا الثلاثة باحتفال عظيم، وأقاموا مناحة طويلة، هذا ما كان من هؤلاء، واما ما كان من بني هلال، فانهم استعدوا للحرب والقتال، فاعتقلوا بالسيوف والنصال وهجموا على المدينة بقلوب كالجبال ومكنوا الضرب على الرجال من اليمين والشمال، ونهبوا ما فيها من الأمتعة والأموال، فعند ذلك خرجت الأمراء والأعيان وابنه في جماعة من النسوان، وطلبوا من الأمير حسن العفو والأمان، فأجابهم الى ذلك الشأن، وأرسل مناديا ينادي في الأسواق بالأمان، فتوقف القتال وخرجت بنو هلال وأقامت في الخيام وبلغت المرام وزالت عنها الأوهام، وبعد ذلك بعشرة أيام ولى الأمير حسن الأمير صـقـر مكان أبيه، ثم أمر بدق طبل الارتحال، فهدموا الخيام والمضارب وركبت الفرسان ظهور النجائب، وجدوا في قطع الروابي والآكام حتى وصلوا الى القدس الشريف بعد ستة أيام، فنزلوا خارج المدينة في المضارب والخيام، وزاروا الأماكن المقدسة بكل احترام وتصدقوا على الأرامل والأيتام، ثم رحلوا منها بعد عشرة أيام قاصدين غزة بقلوب معتزة.













عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
قديم 03-17-2013, 06:43 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
عضو ذهبي
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الشخصية لـ صدى الوجدان

البيانات
التسجيل: Aug 2011
العضوية: 9
المشاركات: 10,321 [+]
بمعدل : 8.56 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

مشاهدة أوسمتي

شكراً: 8,385
تم شكره 9,964 مرة في 4,241 مشاركة
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
صدى الوجدان غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : صدى الوجدان المنتدى : التراث والاجداد
الإفتراضي

الجزء الحادي عشر من تغريبة بني هلال
قصة السركسي بن نازب



( قال الراوي ):

فلما وصلوا إليها وجدوها محصنة، فنصبوا الخيام والأعلام، وفرقوا مواشيهم في جوانب أقطارها، وأكلوا من محصولها وأثمارها، فلما رأت الرعيان تلك الفرسان قد ملأت البراري، ذهبوا الى ملكهم وأعلموه بذلك الشأن، وكان ملكهم قوي الجنان، صاحب جيوش ومواكب، يقال له السركسي بن نازب، وكان عدد عساكره خمسمائة ألف من الأبطال يعتمد عليهم في الحرب والقتال، فلما بلغه الخبر من الرعيان بقدوم بني هلال، جمع الوزراء والأعيان وأكابر الديوان واستشارهم في ذلك الشأن وكان عنده وزير ذو رأي وتدبير يقال له الأمير راشد، فقال اعلم أيها الملك الهمام أنني أخبر الناس ببني هلال وأعرف ما عندهم من الغنم والجمال والخيل والأموال لأنني ذهبت الى نجد وأقمت فيها جملة أيام فعندهم أربع تسعينات ألوف وبناتهم مثل البدور، وبما أنهم أقبلوا إلينا فمن الصواب أن نبادرهم بالحرب والقتال وننهب ما عندهم من الأموال، لأننا أشد منهم بأسا وأقوى مراسا، ثم أشار يصف بني هلال وبناتهم.

ولما فرغ السركسي طوى الكتاب وسلمه الى النجاب وأمره أن يأخذه الى الأمـيـر حسن ويأتيه بالجواب فأخذه وسار وما زال يقطع الروابي والتلال يطلب منهم عشر المال.

فاستصوبه السركسي وقد طمع في مال بني هلال وفي الحال كتب إليهم حتى وصل الى بني هلال فدخل على الأمير حـسـن وسلم عليه وأعطاه الكتاب، وكان حسن جالسا وسط الديوان وحوله الأمراء والأعيان منهم الأمير أبو زيد والأمير دياب وغيرهم من السادات والأنجاب، فلما فتح الكتاب وقرأه وعرف حقيقة ما حواه، عرضه على الأمراء، وقال لهم ما رأيكم أيها السادات؟؟ فقالوا ما عندنا سوى الطعن، فعند ذلك أشار الأمير حسن يجتوب السركسي على كتابه، ثم سلمه الى النجاب فأخذه وسار الى السركسي بن نازب، فسلم عليه ثم ناوله الكتاب فلما قرأه وعرف ما تضمنه، طار الشرر من عينيه وأمر بجمع ثلاث مائة ألف بطل بالأسلحة الكاملة والعدد الشاملة وركب في أول العسكر مع الأمير راشد الوزير وحوله الأعلام والرايات والفرسان والسادات وجد في قطع البراري والقفار لقتال بني هلال ونهب الأمتعة والأموال، ولما عرفت بنو هلال بقدومه استعدت للقتال والنزال وركب الأمير حسن وتبعته بنو هلال، وكان الأمير أبو زيد راكبا عن يمينه والأمير دياب راكبا عن شماله، ولما التقت العساكر ببعضها البعض، وقف كل فريق في ناحية من الأرض وكان أول من برز الى ساحة الميدان وطلب مبارزة الفرسان السركسي وهو كالليث، فبرز اليه أبو زيد في الحال فالتقاه السركسي وتناشدا شعرا. ثم انطبق أبو زيـد على السـركـسـي انطباق الرعد في الغمام فالتقاه السركسي كأنه ليث الآجام وأخذ معه في الطعن وضرب الحسام، وكان السركسي أفرس زمانه ولا أحد يعادله في ميدانه وكانت تضرب به الأمثال وتهابه الفرسان والأبطال، فقاتل خصمه أشد قتال وضربه بحد الحسام، فاستتر أبو زيد بالدرقة نزلت الضربة على رقبة الحصان، فبرتها كما يبري الكاتب القلم، فوقع أبو زيد على الأرض، فهجم السركسي عليه وأراد أن يكمل عليه، فلما رأى أبو زيد تلك الحال، خاف الهلاك والوبال فطلب منه أن يعفو عنه فأجابه الى ذلك الشأن وقال له اذهب من الميدان وأرسل لي الأمير دياب حتى أعلمه حقيقة الضرب والطعن أو تحضروا لي عشر المال حتى أوقف عنكم القتال، فرجع أبو زيد بغاية الكدر ورجع معه باقي الجيش والعسكر حيث كان أظلم الظلام واعتكر، ولما وصل الى المضارب التقت به النساء والبنات وسألوه عن حاله وما جرى في قتاله.

ثم ذهب أبو زيد بنفسه الى الأمير حسن وأعلمه بما جرى وكان، فتعجب الأمير حسن وباقي الأمراء، وقالوا ما دام الأمر على هذا الحال، فما بقي غير الأمير دياب أن يبرز الى السركسي، لعله يبلغ منه الآمال والا تضعضعت منا الأحوال، فاستصوب الأمير حسن هذا الكلام وصار يحمس الأمير دياب والأمير يرد عليه.

فلما فرغ الأمير ديـاب من كلامه، شكره الأمير حـسـن على حسن اهتمامه، ولما أصبح الصباح، برز السركسي الى ساحة المجال فصال وجال وطلب مبارزة الأبطال فبرز اليه دياب كأنه ليث الغاب وهو راكب على الخـضـرا، فالتقاه السركسي بقلب كالصوان وقال له من تكون من الفرسان؟

فقال أنا الأمير ديـاب بن غانم، فضحك السركسي والتقاه في ساحة المجال واقـتتـلا بالرماح والنصال أقوى قتال وهجما على بعضهما هجوم الأسود وما زالا على تلك الحال الى وقت الزوال، وكان السركسي من أقوى الفرسان في تلك الأيام، فانه استطال على الأمير دياب بعد أن لعب عليه اثنين وسبعين بابا، فهرب من أمامه مع عسكره، ولم يثبت لحربه وصدامه حتى دخل المضارب والخيام وهو مقهور، فرجع السركسي الى قومه بغاية الفرح والسرور، وبات تلك الليلة مشروح الفؤاد على نيل المراد، وأما دياب فرجع غائبا عن الصواب حتى أقبل على الأمير حسن، فصار بخبره بهذه الأبيات:

قال المدعو الأمير دياب
النار في قلبي تزيد لهاب

يا حسن اسمع كلامي وافتهم
وأصغي الى قولي ورد جواب

السركسي ما رأيت مثله فارس
يفتح علي بالحروب أبواب

وقد هالني لما يروح ويرتجع
ينزل علي مثل سبع الغاب

ما له مثيل في هلال وعامر
أيضا و لا في ساير الأعراب

قوموا بنا بالليل حتى نرحل
يا أبو علي الرأس مني شاب




فلما فرغ الأمير دياب من كلامه وأمراء بني هلال تسمع نظامه، خافوا من الشرور وعواقب الأمور، وجعلوا يتشاورون في قتال ذلك البطل، فقرروا على مفاجأته بهجوم خاطف، وباتوا تلك الليلة، وفي الصباح جمع الأمـير حـسـن الأبـطال والفرسان، ونزلوا الى ساحة الميدان، فالتقتهم عساكر السركسي في ساحة المجال، واقتتلوا أشد قتال، وهجموا على بعضهم البعض، واشتبك بين العسكرين القتال، وجرى الدم وسال، فما كنت ترى الا رؤوسا طائرة ودمـاء فـائـرة وفرسانا غائرة، حتى دارت على قوم السركسي الدائرة وكانت بنو هلال محيطة بهم من اليمين والشمال، فبينما هم في ضربات قاطعات تهد الجبال الراسـيـات واذا بغبار قد ثار حتى سد منافس الأقطار وبان عن عسكر جرار، ليس له قرار، وفي مقدمتهم الوزير راشد الأسد المعاند، وكان السبب في قدومهم أن السركسي أرسل يطلب منهم الامداد للحرب والطراد، فحضر الوزير بمائتي ألف عنان، فلما وصل الى ساحة الميدان ووجد قومه بالذل والهوان، هجم على بن هلال وأحط بهم من اليمين والشمال، وخلص السركسي من بين أيدي بني هلال واقتحم هو والعساكر الى ساحة المجال،وما زالت الحرب على قدم وساق الى أن انكسرت بنو هلال أشد انكسار وانهزم الأمير دياب ببني زغبي، وأبو زيد ببني زحلان، والأمير حسن والقاضي بدير ببقية الفرسان، وتبعهم الوزير راشد بكل بطل مغوار وأسد كرار، وشتتهم في جوانب القفار وكسب غنائم كثيرة وأموالا غزيرة، ولما اظلم الظلام رجع الوزير والملك المنصور، وقد كسبوا من بني هلال المال والبنات والنوق والجمال، وصارت بنو هلال مشتتين في البراري والتلال، ثم أجتمع الأمير حسن والأمير دياب والأمير أبو زيد وأكابر الديوان، وأخذوا يتشاورون في خلاص ما أخذه منهم قوم السركسي وكيف يقتلون الوزير الذي كان سبب هذا البلاء، وكان للأمير حسن ابن أخت شديد البأس قوي المراس يسمى الأمير عـقـل عمره أربعة عشر عاما، فلما انهزم الأبطال والفرسان من قتال السركسي في ساحة الميدان استعظم ذلك الشأن فجاء الى خاله الأمير حسن وتعهد له بقتل السركسي بشرط أن تذهب معه النساء والبنات يشجعنه في الحرب والثبات ثم أنه أنشد شعرا شكره عليه الأمير حسن، وباقي الأمراء على حسن اهتمامه، وقد تعجبوا من ذلك وقالوا لعل الله أن يأتي على يده بالفرج والنصر، ثم أن الأمير حسن أمر أخته الجازية أن تنتخب في الحال مائة بنت من خيار البنات الأبكار اللواتي يشبهن الأقمار، فحضرت بهن عند أخيها وقالت له ماذا تريد أن تفعل؟ قال تذهبين مع البنات ومع الأمير عقل الى ساحة الميدان وتشجعنه بالأشعار الحسان حتى يتحمس على قتل السركسي بن نازب، لعله ينال المقاصد، فلما سمعت الجازية فحوى كلامه، استعظمت الحال وقال تكيف نذهب مع عقل وهو ولد صغير السن وليس من رجال الحرب والقتال؟ فاذا كان أبو زيد ودياب لم يقدرا على السركسي فكيف يقدر هذا الصبي وربما يأسرنا السركسي ونبقى معيرة بين الأعارب؟ فلما انتهت من هذا الخطاب تقدمت وطفا بنت الأمير دياب وتكلمت بهذا المعنى، فقال الأمير حسن هذا الكلام لا يفيد، ثم أمر بالركوب مع الأمـير عـقـل، وفي الحال ركبت العماريات أمام الفرسان والأبطال، واعتقلوا بالرماح والنصال وقصدوا ساحة القتال، فلما وصلوا اصطفت الصفـوف وترتبـت المئات والألوف وكان الأمير عقل راكبا على ظهر جواد يسابق الرياح، فبرز الى الميدان وطلب مبارزة الفرسان، فبرز اليه السركسي كأنه قلة من القلل أو قطعة فصلت من جبل، فقال له عقل من تكون من الأبطال فاني أرى نفسك شامخة معتزة؟ قال أنا السركسي أمير غزة. وأنت من تكون؟ قال أنا الأمير عقل بن الأمير بدر.

وبعد أن تساجل البطلان التقيا في ساحة الميدان كأنهما جبلان أو أسدان كاسران، وعلا عليهما الغبار حتى حجبهما عن البصار وقدحت حوافر خيلهما النار، ومازالا علي تلك الحال وهما في أشد قتال الى قرب الزوال، وكان السركسي قد تعجب من حرب الأمير عقل واستعظم قتاله لأنه رأى منه في مواضع الطعن والضرب ما أدهشه وأهاله، ثم ضربه في الدبوس قاصدا أن يعدمه الحساة، فخلا عنها، فراحت الضربة خائبة بعد أن كانت صائبة، ثم أن الأمير عقل ارتد على خصمه مثل الأسد وضربه بالسيف المهند، فجاءت الضربة على رقبة الجواد فبرتها كما يبري الكاتب القلم، فوقع السركسي عى الأرض، فأدركه قومه ونشلوه من ساحة القتال، فهجم عليهم الأمير عقل بالحسام فولوا وطلبوا الانهزام حتى وصلوا غزة، فرجع الأمير عقل والفرسان من المعركة والصدام وهم في فرح واستبشار، ورجعت معه البنات الأبكار وقد تعجبن من أمره نظرا لصغر سنه، فدخل على الأمير حسن وسلم عليه وعلى جميع الأمراء الذين حواليه وأعلمه بما جرى وكان، وكيف أن خصمه ولى من ساحة الميدان، بعد أن حاربه طول النهار، فشكره الأمير حسن على فعاله وقد تعجب من قتاله وثباته، وأجلسه بقربه في صدر الديوان ووعده بالجميل والاحسان، ورفعه الى درجة الأمراء والأعيان، هذا ما كان من بني هلال وأما ما كان من السركسي، فانه رجع من ساحة القتال وهو مشغول البال، فاجتمع بوزيره وأعلمه بقتال الأمير عقل ذلك الولد الجبار والبطل المغوار، فقال له الوزير لا تخف يا ملك الزمان غدا أنزل الى الميدان وأبارز هذا الولد وأذيقه الأهوال، وباتوا تلك الليلة يتحادثون وفي الصباح اصطف الجيشان وتقابل العسكران وبرز الوزير راشد اليى ساحة الميدان، وطلب مبارزة الفرسان، فبرز اليه الأمير عقل، فالتقاه راشد بقلب كالجبال، والتحم بينهما القتال وتضاربا بالسيوف وتطاعنا بالرماح وفعلا أفعالا تعجز عنها صناديد الأبطال وما زالا على تلك الحال مدة خمسة أيام، وفي اليوم السادس التقيا في ساحة الميدان وتقاتلا أمام الفرسان الى أن اختلف بينهما ضربتان قاطعتان وكان السابق الأمير عقل، فجاءت الضربة على رأس الوزير راشد، فوقع قتيلا وفي دمه جديلا، فلما رأى قومه ما حل به من الوبال، نشلوه من ساحة القتال وأما السركسي لما علم أن الوزير قتل، غاب عن دائرة الصواب وهجم على الأمير عقل مثل ليث الغاب فالتقاه عقل بقلب أقسى من الصوان، وتقاتلا معا في ساحة الميدان حتى تحيرت من قتالهما الفرسان وما زالا على تلك الحال الى وقت الزوال فعند ذلك دقت طبول الانفصال فرجعا عن الحرب والقتال ورجع السركسي وهو غضبان مما قاسى من الحرب والطعان وصمم النية أنه في ثاني الأيام يهجم بالفرسان والأبطال على بني هلال ويذيقهم الأهوال، أما الأمير حسن فانه أحضر الأمراء والسادات وقال لهم اعلموا أيها الرجال أن قصدنا الوصول الى تونس الغرب لنخلص رجالنا من أسر الزناتي خليفة، والرأي عندي الآن أن نهجم في الصباح بالأبطال والفرسان ونحارب أعداءنا بقوة الجنان حتى نبلغ الآمال ونسير بالعجل من هذه الأطلال، فيركب الأمير دياب في بني زغبي الشجعان والقاضي بدير والخفاجي عامر مع الأمير زيدان والرياشي مفرج وعرندس الزغبي والأمير عقل يقصدون الميدان والأمير أبو زيد يركب في بني زحلان ويقصدون أبواب غزة بعد حضور السركسي الى الميدان وهكذا تم الاتفاق.

وفي الصباح، دقت طبول الحرب وركب الفرسان للطعن والضرب، واندفعت الشجعان الى ساحة الميدان من كل جهة ومكان، وقصد السركسي معركة القتال وطلب مبارزة الأبطال، فبرز اليه الأمير دياب وجال معه ساعة من الزمان، ثم هجمت العساكر على بعضها البعض كأنها كواسر السباع وجعلوا يتضاربون بالسيوف ويتطاعنون حتى جرى الدم وساح وزهقت الأرواح، وما زالوا على تلك الحال الى قرب الزوال، فعند ذلك، هجم الأمير عقل وزيدان واقتلعا السركسي من ظهر الحصان وأوثقاه بالسلاسل والقيود وأخذاه الى الخيام وبلغا المقصود، ولما بلغ أبو زيد هذا الخبر، فرح واستبشر وهجم بالفرسان والأبطال على عساكر السركسي الذين انهزموا من ساحة المجال، وحكم فيهم ضرب السيف الفصال، وبعد أن دخلت بنو هلال غزة بقلوب معتزة، غنموا الأموال وبلغوا الآمال وخلصوا سباياهم من الاعتقال وكان أظلم الظلام، فخرجوا وباتوا في الخيام وفي اليوم الثاني أقبلت أهالي البلد وطلبوا من حسن الأمان، فأجابهم الى ذلك الشأن وأرسل مناديا ينادي بالأمان، فاستتبت الأحوال واستبشرت بنو هلال بالعز والاقبال، ثم حضرت الفرسان والأمراء عند الأمير حسن، فشكرهم على ذلك الاهتمام وغمرهم بالعطايا والأنعام، ثم أحضروا عقل وأكرموه غاية الاكرام على ما أبداه من الحرب والصدام وقلده الأمير حـسـن مقام الأمراء العظام وألبسه سيفا مرصعا بنفيس الجواهر، ثم أشار يمدحه ويعرض عليه ما يريد من بنات النساء السادات.

فلما فرغ الأمير حسن قال له الأمير: يا خال أرجو أن أحوز الكمال بنظرك السعيد مدى الأيام، والآن ما حل وقت زواجي، فتقدم الأمير زيدان شـيـخ الشـباب والتمس من الأمير حـسن أن يأمر بعمل عرس لأولاد الأمارة الذين حان وقت زواجهم، فقال له حسن لابأس وركبت أولاد الأمراء فوق ظهور الخيل وعملوا عراضة عظيمة لها قدر وقيمة، وبعده عملوا عرسا طافحا بالمسرات ورقصت أمامهم النساء والبنات المخدرات، ومكثوا على هذا الحال ثلاثة أيام بالفرح والسرور، أحضروا السركسي مقيدا وأدخلوه عند الأمير حسن، فترامى على أقدامه وكان الأمير أبو زيد جالساه عن يمينه والأمير دياب عن شماله، فحينئذ طلب منه العفو والأمان وقال يا أمير ان الوزير هو الذي كان السبب في الأذية والضرر وكان سببا لسبي النساء الحسان، فأرجوك أن تعفو عني، فأمر السلطان حسن بفكه وقال يا سركسي أعفو عنك إذا حفظت الشرائع الملوكية وهي أوصيك بمحبة الله وحفظ شرائعه ووصاياه ما دمت في قيد الحياة، ولاتكن لجوجا في الكلام ولا مدمنا لشرب المدام بل حافظا زمام الاحتشام متخلقا بأخلاق الكرام مع الخاص والعام، متجنبا كلام الهزء والهذيان، واقيا نفسك من عثار اللسان، لأن صدور الأحرار قبورها، فمن صار سره ملك أمره، ومن باح لم ينجح وزاد ندمه، واحذر يا سركسي من النساء الشريرات فان مكرهن عظيم وهن بالحشمة والكمال، وهن أغدر من الحيات ومن أعظم المصائب والبليات، وبالجملة فإنهن مفاتيح الشرور، لأنه ليس لهن عهد ولا أمانة.

فقال السركسي: أنا طوع يديك وجميع أمور راجعة إليك فشنف أذني بأقوالك اللطيفة فاني لأمرك سامع، فقال له السلطان حسن: متى توليت أحكام البلاد وتحكمت على رقاب العباد إياك أن تغفل عن أحوال الرعية وتتعدى القواعد الهلالية وتخالف القوانين والشرائع الملوكية، بل كن سالكا الطريق المرضية، معاملا الكبير والصغير بالسوية، رافعا عن شكوى المظلوم حجابك، فاتحا في وجهه بابك، واضعا الأشياء في محلها والمناصب في يد أهلها، ولا سيما ولاة الأقطار وأرباب الوظائف الكبار، فينبغي أن يكون هؤلاء الرجال من أهل الفضل والكمال موصوفين بالاستقامة والأمانة ومشهود لهم بالحلم وبصدق الديانة، لا يميزون بين الحقير والشريف ولا يظاهرون القوي على الضعيف، فيهابهم جميع المأمورين ويقتدي بهم باقي المستخدمين، لأنهم أصحاب الكلام وولاة الأحكام وبيدهم أزمة الأمور وتدبير مصالح الجمهور ومحافظة الحدود والثغور، فإذا كانوا على هذه الحالة، تستقيم أحوال الرعايا وينتشر العدل في كل مكان، فترعى الذئاب مع الغنم وتبات العصافير مع الرخم، أما إذا كانوا خلاف هذه الأوصاف، مائلين الى الاعوجاج والانحراف، لايبالون بمنافع الخلق ولا يعلمون بما يقتضيه الحق، بل يصرفون الأوقات بالملاهي والملذات، وتضطرب الأحوال ويقع الاختلاف ويكون سببا لضرر البلاد بدل الاصطلاح، فيضيع الحق والانصاف ويكثر الجور والاعتساف، فتسقط المملكة الهلالية ويصير وجودها كالعدم بين ملوك الأمم.

فإياك أيها الأمير أن تسمي وزير الا بعد الفحص والامتحان ولو كان ابن رفعة وشأن، حتى تستقيم أمور دولتك وتسعد به أحوال رعيتك، فهذا الذي يقتضيه مقامك ويحسن به في الدارين ختامك، واياك أن تغتر في الدنيا ولذتها وتلتهي بأفراحها ومسرتها، فانها محتالة غدارة، جميع أمورها مستعارة، فلا تركن إليها ولا تثق بها وتعتمد عليها، فكم أفنت من الملوك وفتكت بالأنبياء وما هي الا كظل زائل، واعلم أن المراتب العليا إنما هي مواهب وعناية من رب البرايا لأناس خصهم الله بأبواب الخير، وذلك لغايات لا تدركها العقول، ثم قال له وإياك أن تهمل الجزية بل أرسلها لي في كل عام، فحينئذ نهض السركسي فقبل يديه وقال أنا طوع يديك وجميع أموري متجهة اليك، ولن أنسى جميلك وإحسانك ما دمت في قيد الحياة، فحينئذ أمر له السلطان بخلعة سنية وحلة ملوكية ونهض أبو زيـد وديـاب وألبساه اياها أمام الوزراء والقواد وأرسلوه الى محكمته في احتفال عظيم وأجلسوه على تخت المملكة وودعوا بعضهم، ثم أخذوا في أهبتهم للمسير الى بلاد الغرب، لكي يخلصوا أولادهم من الأسر والكرب، فانتشرت البيارق والصفوف وضربت الطبول في الصحارى والسهول، وأخذوا يجدون في المسير ويسابقون في مسيرهم الطير الى أن أقبلوا الى مواشيهم في تلك البراري والآكام.













عرض البوم صور صدى الوجدان   الرد باقتباس
الرد على الموضوع

الكلمات الدلالية (Tags)
تغربية, بني, هلال, كاملة


Currently Active Users Viewing This Thread: 1 (0 members and 1 guests)
 
خيارات الموضوع
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاح
كود [IMG] متاح
كود HTML مغلق
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح



.
new notificatio by 9adq_ala7sas
.
 

Search Engine Friendly URLs by vBSEO